من دفع ترامب نحو الحرب مع إيران؟
سلّط الصحافي بن سامويلز الضوء على دور أعضاء إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب البارزين - مثل جي دي فانس وبيت هيغسِث وماركو روبيو وستيف ويتكوف – في مسألة شنّ ضربات جوية على إيران.
وفي تقرير له نشرته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، استعرض سامويلز أيضًا دور رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، والقيادات العسكرية والاستخباراتية مثل تولسي غابارد وجون راتكليف، كما تناول التأثير المباشر وغير المباشر الذي مارسته وسائل الإعلام المحافظة، خاصة شبكة “فوكس نيوز”، عبر إعلامييها، كشون هانيتي ومارك ليفين، بالإضافة إلى ضغوط رجال الأعمال شديدي الثراء، مثل روبرت مردوخ وميريام أدلسون.
في ما يلي الترجمة الكاملة للتقرير:
يمثّل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب التاريخي بشن ضربات أميركية على أهداف نووية إيرانية ذروة حملة استمرّت لعقد كامل من الزمن للتأثير عليه لاتخاذ هذه الخطوة غير المسبوقة.
فترامب، المعروف بتصرّفاته الاندفاعية والتبادلية، اعتمد على مجموعة من الأصوات داخل البيت الأبيض وخارجه لتقديم المشورة له بشأن مزايا وعيوب هذا القرار.
لفهم كيف قرّر ترامب تغيير السياسة الخارجية الأميركية إلى الأبد، ومعها ملامح الشرق الأوسط كما نعرفه، يجب فهم الشخصيات التي تحيط به وكيف تلقّى نصائحهم المختلفة بشأن التداعيات – سواء المتعلّقة بالولايات المتحدة أو إسرائيل أو قاعدته الداخلية من المؤيدين.
الرجال الأربع الأبرز
خاطب ترامب الأمة، وإلى جانبه ثلاثة مستشارين: نائب الرئيس جي دي فانس، وزير الدفاع بيت هيغسِث ووزير الخارجية (والمستشار المؤقت للأمن القومي) ماركو روبيو. وكان المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف حاضرًا في غرفة العمليّات أثناء الضربات، رغم أنه لم يظهر علنًا بجانب ترامب.
اختيار هؤلاء الثلاثة ليقفوا إلى جانبه كان محاولة لإظهار دعمٍ كامل من فريقه، وهو أمر له أهمية خاصة نظرًا لتقارير أفادت بأنّ كل واحد منهم كان يحاول دفع ترامب نحو الدبلوماسية بدلًا من العمل العسكري في الأشهر الأخيرة.
جي دي فانس، الذي برز تدريجيًا كخليفة محتمل لترامب بين قاعدته، لطالما انتقد المشاريع الأميركية للتطوير الأممي، مستندًا إلى خدمته العسكرية في العراق. وقد استشهد بمعارضة ترامب للحروب في تأييده له عام 2023، كما حذّر خلال حملة 2024 من أنّ صراعًا بين إسرائيل وإيران قد يشعل حربًا عالمية ثالثة.
في الأشهر الأخيرة، قاد فانس فعليًا الجبهة الداخلية الداعية إلى خيار دبلوماسي مع إيران، إلا أنه أوضح في الأيام الأخيرة إنه سيدعم ترامب مهما قرّر. وكان مساعده الأبرز، آندي بيكر، حاضرًا في غرفة العمليات أثناء الضربات.
بيت هيغسِث وجد نفسه في وضع غريب مماثل: داعم قوي للحكومة الإسرائيلية من جهة، ومشكّك في الدخول في حرب أميركية أخرى في الشرق الأوسط من جهة أخرى. وقد شهدت فترته كوزير دفاع اضطرابات داخل البنتاغون، شملت توظيف مساعدين لديهم شكوك تجاه علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل واحتمالية خوض الحرب، وقد أُقيل عدد منهم بتهمة تسريب معلومات بعد ظهورهم في بودكاستات يمينية حذّروا فيها من عواقب الحرب.
ورغم تقارير عن أن “لا أحد يتحدث مع هيغسِث” بخصوص خطط إيران، فإن ترامب وضعه في الواجهة لتحمّل مسؤولية الضربات.
أما ماركو روبيو، فقد طوّر هو الآخر مواقفه الخطابية المتشدّدة لتتوافق مع ترامب. فبعد أن كان أحد أكثر الأصوات الجمهورية تشدّدًا تجاه إيران، بات يذعن داخليًا لما يراه ترامب مناسبًا. وقد ظهر بمثابة صوت داخلي مشكّك تجاه نوايا إيران، وفي الوقت نفسه أتاح لترامب مساحة لإنكار التورّط الأميركي فور الضربات الإسرائيلية الأولى، إذ لم يتضمّن بيانه أي عبارات تقليدية مثل “نقف مع إسرائيل”، مما أتاح لترامب نسب الفضل إليه فقط عندما يكون ذلك الأنسب له.
منذ أن حل محل المتشدد مايكل والتز كمستشار للأمن القومي، تم طرد العديد من المختصين في شؤون الشرق الأوسط من مناصبهم. وبينما فُسّر ذلك سابقًا كمؤشر على انعزال ترامب، فإنّ روبيو يقدّم الآن النصح لترامب إلى جانب مساعدين جدد مثل واين وول، الذين يفتقرون للخبرة النسبية في المنطقة.
ورغم أنّ روبيو هو الدبلوماسي الأعلى رتبة، فإنّ ستيف ويتكوف يبقى صاحب الصوت الأهم في السياسة الخارجية في الإدارة. ومع فانس، كان ويتكوف المدافع الأبرز عن الحلول الدبلوماسية – حتى حين تحوّلت جهوده الأخيرة عمليًا إلى غطاء للتخطيط العسكري الأميركي.
ومثل وساطته في هدنة غزة وقضية الرهائن، أثار ويتكوف استياءًا واسعًا في أوساط أنصار إسرائيل المتشددين بسبب خمس جولات من التفاوض مع طهران – خاصة محاولاته الفاشلة للتوصل إلى تسوية إبداعية بشأن تخصيب اليورانيوم قبل الضربات. وقد حافظ على اتصال مباشر مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي خلال فترة الحرب، وقيل إنه كان على وشك التوجه إلى تركيا الأسبوع الماضي في مسعى دبلوماسي أخير.
رئيسة موظفي البيت الأبيض
أي حديث عن مستشاري ترامب منذ قراره الترشح للرئاسة بعد هزيمته في انتخابات 2020 يجب أن يبدأ برئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، التي كانت حاضرة في غرفة العمليّات أثناء الضربات.
شغلت وايلز سابقًا منصب مديرة حملة ترامب عام 2024، وقادت جهود إعادة إحياء طموحاته السياسية بعد أحداث اقتحام الكابيتول، وقادت حملته إلى نصر حاسم، مما أكسبها ثقته المطلقة ومعرفة عميقة بقاعدته.
وأدارت وايلز البيت الأبيض الحالي بانضباط أكبر بكثير من الإدارات السابقة المليئة بالفوضى، كما تجلّى في غياب التسريبات بخصوص الضربات، ولها كذلك تجارب شخصية مع التهديدات الإيرانية – منها محاولات اغتيال لترامب خلال حملته واستهدافها بحملة تصيد إلكتروني إيرانية العام الماضي.
المؤسسة العسكرية والاستخباراتية
رغم تسليط الضوء إعلاميًا على من ظهروا علنًا إلى جانب ترامب، فإنه أولى اهتمامًا كبيرًا لرأي كبار مستشاريه العسكريين والاستخباراتيين – رغم رفضه العلني أحيانًا لتقييماتهم بشأن طموحات إيران النووية. من أبرزهم: مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، وهي ديمقراطية سابقة تحوّلت إلى نجمة في أوساط مؤيّدي ترامب، وقد انتقدت سياسته تجاه إيران لسنوات. فهي غرّدت عام 2019 أنّ ترامب “يبدو عازمًا على الحرب مع إيران، رغم أنه ترشح على أساس إنهاء حروب تغيير الأنظمة”، كما اتهمته بانتهاك الدستور الأميركي بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني في 2020.
وأدلت غابارد بشهادة هذا العام أكدت فيها أنّ الولايات المتحدة “لا تزال تقيّم أنّ إيران لا تطوّر سلاحًا نوويًا، وأنّ المرشد الأعلى علي خامنئي لم يفعّل برنامجًا للأسلحة النووية علّقه عام 2003”.
وقد تم تصوير شهادتها، إلى جانب تقارير استخباراتية أميركية تناقض المزاعم الإسرائيلية، كمحاولة لتثني ترامب وقاعدته عن ضرب إيران. ورد ترامب عليها بغضب قائلًا: “لا يهمني ما تقوله، إنها مخطئة”. ورغم التوتر الظاهر، كانت حاضرة في غرفة العمليّات، لكنها غابت عن صور البيت الأبيض الرسمية.
أما نتائج تقييم مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، الذي شغل منصب غابارد ذاته سابقًا، فقد تم رفعها لتفنيد موقف غابارد. لطالما دقّ راتكليف ناقوس الخطر بشأن طموحات إيران النووية ونواياها العدائية. وخلال إدارة جو بايدن، أثنى على حملة الضغط القصوى الإسرائيلية، وانتقد بحث بايدن في شطب الحرس الثوري من قائمة الإرهاب.
كان من أوائل من توقّعوا إمكانية قيام إسرائيل بضربة ضد إيران – سواء شاركت الولايات المتحدة أم لا – مما زاد من شعور ترامب بالإلحاح في المسار الدبلوماسي.
وقال راتكليف، بحسب شبكة CBS: “القول إنّ إيران ليست قريبة، يشبه القول إنّ لاعبي كرة قدم وصلوا خط الهجوم الأخير ولا يرغبون في تسجيل هدف”.
كذلك، استشار ترامب جنرالين كبيرين في الأسابيع السابقة للضربات: قائد القيادة المركزية مايكل إيريك كوريلا، الذي يشرف على القوات الأميركية في الشرق الأوسط، ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين، أعلى ضابط عسكري في البلاد.
يُنظر إلى كوريلا كواحد من أقرب حلفاء إسرائيل، خاصة لدوره في تنظيم شبكة دفاع إقليمية ضد هجومين إيرانيين في 2024، وقد قدّم خططًا عسكرية لترامب صُمِّمت بالتنسيق مع الإسرائيليين، تراوحت بين دعم محدود إلى حملات قصف تقودها واشنطن. ومع اقتراب انتهاء فترته الشهر المقبل، شعر المسؤولون الإسرائيليون والمتشددون الأميركيون بإلحاح خاص لتنفيذ العملية في عهده.
ترامب، المعروف بإعجابه بمن يبدون كأنهم من “فريق التمثيل”، حسب تعبيره، يكنُّ إعجابًا مماثلًا للجنرال دان كين، ويناديه بـ”ريزين كين” كلّما ورد اسمه، ويحب تكرار دعمه للحملة ضد داعش في الشرق الأوسط في ولايته الأولى، حيث دعا كين آنذاك إلى استخدام القوة بسرعة، وهو ما تحقّق، حسب ترامب. وقد مدحه ترامب صراحة بالاسم عند إعلانه الضربات.
مذيعا “فوكس نيوز”
اثنان من أبرز من دفعوا ترامب نحو الحرب ليسا في الحكومة، بل خاطباه عبر منابرهما على شبكة “فوكس نيوز” ونصحاه خلف الكواليس.
مارك ليفين، الذي يصف نفسه بـ”العظيم”، كان جسر ترامب الإعلامي إلى اليمين الموالي لإسرائيل. وانتقد محاولات ويتكوف، وكذلك زملاءه الانعزاليين، ولعب دورًا في تعزيز ميل ترامب للتشدّد. وقال مسؤولون لـ”نيويورك تايمز” إنّ شكوك ترامب تجاه نية إيران في التوصل لاتفاق ازدادت بعد لقاء غداء خاص مع ليفين.
أما شون هانيتي، وجه “فوكس نيوز” الأبرز، فقد استغل منصّته مرارًا لدعوة ترامب للمشاركة في الحرب – من ضمنها دعوته الصريحة إلى تدمير منشأة فوردو النووية، مؤكدًا أنّ “الاستسلام غير المشروط” هو السبيل الوحيد للتعامل مع إيران “المتطرفة”.
وأشاد هانيتي بموقف ترامب “الثابت والحازم والمستمر” في منع إيران من حيازة السلاح النووي، وكان أوّل من كشف تفاصيل العملية ضد فوردو ونطنز وأصفهان في برنامجه، ناقلًا فحوى محادثته مع ترامب بعد دقائق من الضربة.
رجال الأعمال الأثرياء
يتماشى دعم “فوكس نيوز” للحرب مع موقف مالكها روبرت مردوخ، الذي دفعت امبراطوريته الإعلامية باتجاه الحرب، خصوصًا عبر “نيويورك بوست”.
وقد ناشد مردوخ ترامب مباشرة بشأن فوائد ضرب إيران، فيما هاجمت منشوراته ويتكوف ووصمته بأنه “عميل قطري”، مشيرًا إلى تذمّره الشخصي من دور ويتكوف.
لم يكن مردوخ الملياردير الوحيد الذي حاول توجيه ترامب. إيك بيرلماتر، المدير التنفيذي السابق لـ”مارفل” وأحد كبار مموّلي الحزب الجمهوري، حضر اجتماع ترامب مع ليفين.
وبرلماتر، الذي وُلد في فلسطين الانتدابية وخدم في الجيش الإسرائيلي عام 1967، يفضّل العمل من وراء الكواليس. ورغم صداقته الشخصية مع ويتكوف، فقد حثّ ترامب مرارًا على ضرب إيران.
ومن كبار المتبرّعين الآخرين ميريام أدلسون، التي تبرّعت بأكثر من 100 مليون دولار لحملة ترامب. قال ترامب مرارًا إنها – وزوجها الراحل شيلدون – هما السبب في اتخاذه العديد من القرارات الهامة المتعلّقة بإسرائيل.
شيلدون، الذي توفي عام 2021 وكان الداعم الأهم لترامب، دعا في عامه الأخير إلى استخدام قنبلة نووية في إيران لإظهار القوة وتهديد طهران.
الإنجيليون
فيما برّر كثير من مموّلي ترامب وداعميه دعمهم للضربات الأميركية بدوافع جيوسياسية، فإنّ بعض أبرز حلفائه من المسيحيين الإنجيليين برّروها بمنظور وجودي.
وقد نشر ترامب نصًا من السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي قال فيه: “لم تسعَ إلى هذه اللحظة، بل اللحظة هي التي سعت إليك”. وأضاف: “أعتقد بأنك ستسمع صوتًا من السماء، وهذا الصوت أهم من صوتي أو صوت أي شخص آخر”.
نجل القس الشهير بيلي غراهام، فرانكلين غراهام، يُعدّ قناة ترامب الأساسية إلى المجتمع الإنجيلي، الذي يشكّل جزءًا كبيرًا من قاعدته. وخلال زيارة لإسرائيل، اضطر فيها إلى الاحتماء من صواريخ الحوثيين، قال غراهام: “تخيّلوا لو اضطررنا للعيش هكذا في أميركا. إسرائيل مضطرّة للدفاع عن نفسها وتحتاج صلواتنا”، مردفًا: “دعائي أن يحمي الله الكنائس والمسيحيين في إيران، وأن يحمي شعبه المختار في إسرائيل”.
المشككون من داخل معسكر ترامب
بينما اعتاد ترامب مهاجمة منتقديه، إلا أنّ مواجهة انتقادات من داخل قاعدته كانت غير معتادة – لا سيّما من شخصيّات ساعدته في الوصول إلى ما هو عليه.
أبرزهم كان تاكر كارلسون، المذيع السابق في فوكس نيوز، الذي يقود الآن إمبراطورية إعلامية مؤثّرة جدًا، وقد وجّه انتقادات صريحة لترامب ولكل من دفعه نحو الحرب، مهاجمًا أي دعم أميركي – ناهيك عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والحكومة الإسرائيلية.
وانضم إليه المدير السابق لحملة ترامب، ستيف بانون، الذي حذّر مع كارلسون من أنّ انقسام القاعدة عن إيران قد يؤدي إلى نهاية حركة “اجعل أميركا عظيمة مجددًا” (MAGA). تناول الغداء مؤخّرًا مع ترامب ليعرض موقفه، ثم قال لاحقًا إنّ القاعدة ستدعم ترامب مهما قرّر.
مثل هانيتي، بدا أنّ بانون حصل على معلومات مسبقة، إذ أعلن عن الضربات قبل ساعات من وقوعها.
وباتت العضوة في الكونغرس مارجوري تايلور غرين، التي تعد من أكبر مؤيدي ترامب في المجلس، من أبرز منتقديه، وهاجمت بشدة أي دعم للحرب، حتى أنها انحازت إلى كارلسون ضده. وغرّدت: “أي شخص يتلهّف لتورّط أميركي كامل في حرب إسرائيل/ إيران ليس ضمن “أميركا أوّلًا”.
كما هاجمت الحكومة الإسرائيلية قائلة: “الحقيقة أنّ دولًا أكثر مما هو معلن تمتلك قدرات نووية. ليس من معاداة السامية طرح هذه الأسئلة، بل هو تفكير نقدي نزيه”.
وعندما هاجم نتنياهو سياسة “أميركا أوّلًا”، قائلًا: “لا أفهم أميركا الميّتة”، ردّت عليه غرين: “خطأ. لن تكون أميركا ميتة عندما نبقى أميركا أوّلًا”.
وهاجمت الحكومة الإسرائيلية مجدّدًا بعد الضربات، مما يدلّ على تصاعد المعارضة داخل حركة MAGA في الأيام المقبلة.
مع “إيران… ٤٦ عامًا على المحك”. اضغط هنا لمتابعة تغطية “الجادة” لمجريات الحرب الإسرائيلية- الإيرانية

