ما هي خيارات إيران للرد على الهجوم الأميركي؟
في ظل التصعيد الذي أعقب الضربات الأميركية الأخيرة على أهداف إيرانية، تتجه الأنظار إلى طهران لاستقراء طبيعة ردها المرتقب، وتُطرح التساؤلات عن ماهية وحجم وتداعيات هذا الرد.
ومن بين أكثر السيناريوهات التي يجري تداولها هو إغلاق مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الحيوي الذي يُعَدّ شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية، إذ يعبر من هذا المضيق الضيّق قرابة خُمسِ صادرات النفط الخام العالمي، ونسبة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، مما يجعله نقطة ارتكاز أساسية على خريطة التجارة الدولية.
في هذا الإطار، أشار عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني اسماعيل كوثري إلى أن البرلمان ناقش بالفعل مشروعًا يدعو إلى إغلاق مضيق هرمز كخيار مطروح على الطاولة للرد على الاعتداء الأميركي.
وقال كوثري إنّ القرار النهائي بيد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الذي سيحسم الأمر بما يتماشى مع المصلحة الوطنية والأمن القومي للبلاد، مؤكدًا أنّ طهران لن تتردّد في اتخاذه إذا اقتضى الأمر ذلك.
من جانبها، قالت النائبة وعضو لجنة الأمن القومي ساره فلاحي إنّ خيار الإغلاق يُطرح إلى جانب الانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي (NPT)، مشدّدةً على أنّ إيران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الاعتداءات الأميركية المتكرّرة، ليدرك المجتمع الدولي جديّة إيران في الدفاع عن أمنها القومي.
في ذات السياق، رأى عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني علي خضريان أنّ رد إيران على الهجوم الأميركي سيكون ذكيًا ومباغتًا وباعثًا لندم الولايات المتحدة المتحدة، وأنّ القوات المسلّحة الإيرانية ستوجّه ضربة مدمّرة تحمل رسالة بأنّ أي عدوان على إيران سيكون ثمنه باهظًا.
ولفت خضريان إلى أن الهجوم الأميركي ليس مجرّد عملية عسكرية، بل جزء من حرب نفسية وإعلامية واسعة تهدف إلى إضعاف إرادة الشعب الإيراني وفرض معادلات مهينة عليه، مضيفًا أنّ تقليل حجم العدوان إعلاميًا من جانب الولايات المتحدة لا يعني ضعف إيران، وأنّ إيران هي من تحدد طبيعة الرد الذي لا يجب أن يكون ضعيفًا كي لا يُفسّر على أنه استسلام يشجع على اعتداءات لاحقة ويهدّد الأمن القومي على المدى الطويل.
واستدل خضريان في كلامه بتجربتَيْ اليمن وليبيا، حيث أظهر اليمن قوة إرادتها فقاومت العدوان، بينما فقدت ليبيا إرادتها فانهارت، منوّهًا إلى أنّ إيران – مستفيدةً من هذه الدروس – ستثبت أن أي اعتداء على سيادتها سيلقى ردًا تاريخيًا ومؤلمًا.
على الصعيد الإعلامي، اعتبر المحلل الإيراني مصطفى خوش جشم أنّ الرد الإيراني على التحرّكات الأميركية والإسرائيلية يجب أن يكون حاسمًا وسريعًا لمنع فرض سلام مذل على الجمهورية الإسلامية، ملاحظًا أنً صاروخ “خیبر” كان رسالة ردع واضحة أظهرت استعداد إيران لاستهداف منشآت حسّاسة مثل مفاعل ديمونا.
وبرأي خوش جشم فإنّ إيران تواجه منذ رئاسة ترامب حربًا مركّبة تشمل مجالات سيبرانية ونفسية واغتيالات، معتبرًا أنّ تعيين اللواء أحمد كرمي قائدًا للقوة البرية للحرس الثوري مثّل رسالة قوة إلى تل أبيب وواشنطن، خصوصًا أنّ البنية النووية والعلمية الإيرانية باتت موزّعةً على مواقع محمية يصعب استهدافها.
وأشاد خوش جشم بإظهارالمجتمع الإيراني وحدة وتماسكًا رغم محاولات إسرائيل زعزعة الاستقرار، مرجًعا دخول الولايات المتحدة إلى ساحة المواجهة إلى ضعف قدرات القبة الحديدية.
وخلص خوش جشم إلى أنّ العدوان لن يتوقّف عند البرنامج النووي، بل سيستهدف مجمل عناصر القوة الإيرانية، مؤكدًا أن أي خرق للسيادة يجب الرد عليه لردع المعتدي. وختم بدعوة الإعلام إلى لعب دور فاعل ومواكبة المعركة الذهنية لاستعادة ثقة الرأي العام ومواجهة الحرب الإعلامية، وذلك أسوةً بنجاح بعض وسائل الإعلام الإقليمية.
أما الكاتب الإيراني علي رضا خراساني فقد ذكّر بأنّ إيران لديها خيارات عديدة للرد، منها تسريع جهودها النووية أو استدراج المنطقة إلى فوضى استراتيجية، وكذلك استهداف التحرّكان العسكرية الأميركية في المنطقة أو إغلاق مضيق هرمز.
وتبقى السيناريوهات المتوقّعة هي:
- أ – إغلاق مضيق هرمز، ويشمل ثلاث حالات:
١- الإغلاق الكامل للمضيق: سيتسبّب في أزمة طاقة عالمية فورية، رفع الأسعار، تعريض إيران لرد عسكري محتمل من الغرب، بما يشمل استهداف موانئها ومرافقها البحرية.
٢- الإغلاق الجزئي أو الرمزي: إجراء أقل حدة ولكنه يحمل رسالة واضحة، يُبقي على أمل العودة إلى طاولة المفاوضات من دون التصعيد الكامل.
٣- الإبقاء على التهديد كورقة ضغط: استمرار التصريحات الرسمية ورفع سقف التهديدات لكسب تنازلات من الأطراف الدولية، مع الإبقاء على حرية الملاحة طالما لم يتم تجاوز الخطوط الحمراء الإيرانية.
- ب – ضرب قواعد الولايات المتحدة الإقليمية بصواريخ دقيقة.
- ج – تكثيف هجمات الفصائل المدعومة من إيران على القوات الأميركية ومصالحها.
- د – إعلان تعليق مؤقّت لبعض التزامات الاتفاق النووي كرد سياسي دبلوماسي.
- ه – عمليات سيبرانية نوعية ضد بنى تحتية أمريكية حساسة.
يمكن القول إنّ إغلاق مضيق هرمز يبقى سلاحًا استراتيجيًا بيد طهران، لكنه محفوف بالمخاطر والتعقيدات، فالإدارة الإيرانية تدرك جيدًا أنّ الإقدام على هذه الخطوة سيضعها أمام تحديات جمة، بدءًا من المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وحلفائها، مرورًا بردود فعل سلبية من المستوردين العالميين للنفط، ووصولًا إلى التداعيات الاقتصادية التي ستنعكس على الاقتصاد الإيراني ذاته. من هنا، يبدو أنّ تهديد الإغلاق، أكثر من الإغلاق الفعلي، يشكل أداة تفاوضية قوية تساعد على رسم حدود الرد الإيراني وتوجيه رسائل صارمة إلى الأطراف الإقليمية والدولية على حد سواء.
أما خيار ضرب القواعد الأميركية في المنطقة، فيبدو خيارًا متاحًا، حيث نقلت “نيويورك تايمز” عن مسؤولين أميركيين قولهم إنّ جماعات تدعمها إيران تستعد لمهاجمة قواعد أميركية في العراق وربما سوريا، وأضافت أن فصائل عراقية امتنعت حتى الآن عن أي هجوم ويعمل مسؤولون عراقيون لثنيها عن ذلك.
ويبقى الرهان على دقة الحسابات الاستراتيجية لدى القيادة الإيرانية، التي تواجه معادلة بالغة الحساسية بين الردع والتصعيد، سعيًا للحفاظ على أمنها ومصالحها الوطنية من جهة، وتجنب اندلاع مواجهة شاملة من جهة أخرى.
مع “إيران… ٤٦ عامًا على المحك”. اضغط هنا لمتابعة تغطية “الجادة” لمجريات الحرب الإسرائيلية- الإيرانية

