الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة22 يونيو 2025 12:08
للمشاركة:

تحولات الجمهورية الإسلامية بين حربين: من مواجهة صدام حسين وصولًا إلى صواريخ تل أبيب

في شتاء 1979، خرجت إيران من رحم الثورة، محملة بوعد "الجمهورية الإسلامية". كانت اللحظة أشبه بزلزال غيّر خارطة الداخل، ورسم ملامح جديدة لعلاقة الجمهورية الوليدة بالعالم.

منذ ذاك الحين، لم تعد إيران كما كانت، ولم يعد العالم قادراً على التعامل معها بالمنطق القديم. سياسياً واجتماعياً، عاشت البلاد مخاضاً قاسياً، أعاد تشكيل مؤسساتها، وبدّل وجوه سلطتها، وحرّك الشارع بلغة جديدة.

لكن ما لم يكن في الحسبان، أن الرياح القادمة من الغرب لم تكن تحمل فقط روائح النفط، بل رائحة الحرب. قبل أن تشتعل الجبهات مع بغداد، كانت طهران تشتعل من الداخل.

في هذا النص، سنغوص في تلك اللحظة الفاصلة: ما الذي كانت تعيشه إيران قبل أن يُطلق أول رصاصة في حرب الثماني سنوات؟ وما الذي صنعته الثورة في نسيج المجتمع والسياسة، حتى بدت الحرب ـ لاحقاً ـ وكأنها امتدادٌ طبيعي لما بدأه الداخل؟

  1. من الثورة إلى الحرب: كيف استعدت إيران للحريق الكبير؟

في شتاء العام 1979، لم يكن سقوط الشاه مجرد انهيار عرش، بل زلزالاً اجتاح جسد إيران وخلخل ركائزه القديمة. عندما هبطت طائرة الإمام الخميني في طهران، لم تكن تحمل راكبًا عاديًا، بل مشروع أمة جديدة.

انتصرت الثورة، وسقط النظام الملكي، وبدأت البلاد رحلة في المجهول. من بين أنقاض الدولة البهلوية، وُلدت الجمهورية الإسلامية على قاعدة “ولاية الفقيه”، رافعة شعار الاستقلال عن الشرق والغرب.

في الداخل، كانت السلطة تبني نفسها على عجل: مجلس الشورى، مجلس صيانة الدستور، الحرس الثوري… مؤسسات لا تزال تفتقر للتجربة.

لكنّ بناء السلطة الجديدة لم يخلُ من العواصف. كان الداخل يغلي بجماعات رفضت الانصهار في المشروع الإسلامي الجديد، فكان الرد من الدولة حاسمًا: تطهير سياسي، ملاحقة، ومحاولات حثيثة لإحكام القبضة.

أما في الخارج، فقد استُقبلت الثورة بمزيج من الدهشة والخوف. واشنطن خسرت أهم حليف لها في الخليج، والسفارة الأميركية في طهران سقطت بأيدي الطلبة الغاضبين. كانت لحظة انفجار العلاقات الإيرانية الغربية، وبداية عزلة حُملت لاحقاً باسم “الاستكبار العالمي”.

إيران، في لحظتها الجديدة، لم تتردد في مدّ يدها إلى ما أسمته حينها الحركات الثورية: من فلسطين إلى جنوب لبنان، كان صوت الخميني يصل عبر الخنادق، أكثر مما يصل عبر المنابر.

كانت الجمهورية الوليدة ترى نفسها “نصيرًا للمظلومين”، وتعتبر دعم المقاومة امتدادًا لثورتها.

لكن الثورة التي غيّرت وجه السياسة، غيّرت أيضًا ملامح المجتمع. الثقافة الغربية التي كانت تملأ شوارع طهران، أُزيحت لصالح القيم الإسلامية، والتقاليد المحلية استعادت مكانها، والحجاب على الرغم أن النساء كانت ترتديه إلا أنه أصبح رمزًا عامًا بعد الثورة، والمجتمع بدأ يتشكّل تحت ظل “الجهاد” و”الإيثار”.

ورغم الانخراط الشعبي الكثيف في مؤسسات الدولة ومشاريعها، فإن الاقتصاد لم يكن بمنأى عن الزلازل.

خرجت الشركات الأجنبية، توقفت الاستثمارات، واندلعت الاضطرابات في كردستان، بينما فرضت العواصم الغربية عقوبات زادت المشهد تعقيدًا.

وحده الجيش كان يبدو كجسم غريب في المعادلة الجديدة. وريث البنية البهلوية، مُنهك من عمليات التطهير، ومقطوع الصلة بداعميه السابقين. المستشارون الأمريكيون غادروا، وصفقات السلاح أُلغيت، وتم تقليص فترة الخدمة الإلزامية… فبدا الجيش كعملاق نائم، لا يملك القوة ولا اليقظة.

أما الحرس الثوري، المولود من رحم الثورة، فلم يكن يملك وقتًا كافيًا للتدريب على الحروب الكلاسيكية، رغم صولاته في حرب الظل بكردستان.

كتب القيادي في الحرس الثوري الإيراني رحيم صفوي لاحقاً: “في الأيام الأولى للحرب المفروضة مع العراق، لم يكن الجيش الإيراني مهيأً لشيء. لا فكر عسكري، لا تصميم عمليات، لا معلومات عن العدو. كان الحرس هيئة فتية، بلا خبرة في حرب مع دولة. كنا نقاتل بشيء يشبه الإيمان، لكنه لم يكن كافيًا وحده.”

هكذا كانت إيران حين لاحت في الأفق غيوم الحرب مع صدام حسين. جمهورية لم تجفّ بعد دماء ولادتها، وجيش يتعثر بين الولاء القديم والمعركة الجديدة، ومجتمع يشدّ الأحزمة على خاصرته، لا يعلم أن ما ينتظره هو ثمان سنوات من الجحيم.

  • الحرب الأولى للجمهورية الإسلامية

في 22 أيلول/ سبتمبر 1980، شنّ الجيش العراقي هجومًا بريًا على الحدود الغربية والجنوبية لإيران، تزامنًا مع غارات جوية على عدة مطارات إيرانية، مُعلنًا بذلك بدء الحرب المفروضة التي استمرت ثماني سنوات، والتي خاضها العراق بقيادة صدام حسين ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد وقعت هذه الأحداث بعد مرور 19 شهرًا فقط على انتصار الثورة الإسلامية في إيران، في وقت لم تكن فيه البلاد قد شهدت بعد استقرارًا اقتصاديًا أو سياسيًا أو عسكريًا.

الظروف السياسية في بداية الحرب

مع بداية الحرب، كانت الأوضاع السياسية في الداخل الإيراني مضطربة للغاية ومليئة بالانقسامات. ساهمت الصحف والمنظمات السياسية المعارضة في تصعيد التوترات والصراعات الداخلية من خلال ما كانت تنشره من أخبار وتحريرات.

تواجدت في الساحة الداخلية جماعات مسلحة مختلفة، من بينها منظمة مجاهدي خلق، وتنظيم بيكار، وفصائل من فدائيي خلق، وحزب توده، والحزب الديمقراطي، وجميعها كانت تتحدى النظام السياسي الذي تشكل بقيادة الخميني عام 1979.

ومن المفارقات المثيرة أن الرئيس الإيراني آنذاك، أبو الحسن بني صدر، الذي كان يشغل أيضًا منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة، اتخذ موقفًا معارضًا للنظام. فأسس “مكتب التنسيق الشعبي لرئاسة الجمهورية”، ليكون مظلة سياسية جامعة للجماعات المعارضة للنظام، وقدم لها دعمًا واضحًا.

بالتالي، كانت القيادة العسكرية الإيرانية آنذاك تضم أشخاصًا يفتقرون وفق خصومهم إلى الرؤية الثورية للجمهورية الوليدة، إذ كانوا يرون أن قدراتهم العسكرية لا يمكن مقارنتها بإمكانات نظام البعث العراقي، متجاهلين الدعم الكبير الذي كان يتلقاه هذا النظام من القوى الغربية. كما أنهم اعتمدوا بشكل كبير على الخطط الدفاعية التي وضعها مستشارو النظام الشاهنشاهي الأميركيون، معتقدين أنها كافية لمواجهة التهديدات الخارجية، بما في ذلك الدعم الأميركي للعراق.

الظروف الاقتصادية والاجتماعية

خلال الأشهر الـ19 التي تلت انتصار الثورة وحتى بداية الحرب، واجهت إيران ركودًا اقتصاديًا حادًا ونقصًا كبيرًا في الإيرادات النقدية. وقد نتج ذلك عن اعتماد الصناعات على الاستيراد، وصعوبة تنفيذ استثمارات جديدة في ظل الأوضاع السائدة بعد الثورة.

في عام 1980، سعت الحكومة إلى دعم القطاع الزراعي من خلال رفع الحد الأدنى من الأسعار المضمونة لبعض المنتجات الزراعية الأساسية، إلا أن الحرب، التي اندلعت في عدة مناطق زراعية، حالت دون أن يواكب الإنتاج الزراعي الزيادة في الاستهلاك الغذائي، مما حافظ على اعتماد البلاد على المواد الغذائية المستوردة.

كما شهدت السياسة الاقتصادية تحولات، إذ تم تقليص صادرات النفط، وقلّت مشتريات الدول الغربية بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، ومع بداية الحرب، تراجعت الإيرادات النقدية بنسبة 38%، من 22.7 مليار دولار في عام 1979 إلى نحو 13.9 مليار دولار في عام 1980.

تراجع إنتاج وصادرات النفط الإيراني بشكل حاد مقارنةً بما قبل الثورة. ففي حين كانت إيران تصدر نحو 5 ملايين برميل يوميًا قبل عام 1979، انخفض متوسط الإنتاج في الأشهر التي سبقت الحرب إلى 1.4 مليون برميل يوميًا، بينما بلغت الصادرات نحو مليون برميل فقط، مقارنةً بـ 2.4 مليون في 1979.

في المقابل، كان العراق يتمتع بوضع اقتصادي قوي قبيل الحرب، حيث شهد نموًا اقتصاديًا كبيرًا بفضل عائدات النفط الوفيرة، والتي رفعت احتياطياته النقدية إلى أكثر من 30 مليار دولار. وقد مكّن هذا العراق من التمتع بأفضلية اقتصادية واضحة مقارنةً بإيران.

خسائر الحرب وأثرها الإنساني

امتدت الحرب من سبتمبر 1980 حتى أغسطس 1988، واعتُبرت من الكوارث الحربية في القرن العشرين، لا سيما مع استخدام النظام العراقي للأسلحة الكيميائية ضد الأكراد، وكذلك ضد الجنود والشعب الإيراني.

شهدت إيران خلال ما أسمته “الدفاع المقدس” مقتل 221,682 من شبابها وقادتها، كما أصيب 554,858 من المجندين بإعاقات مختلفة، منهم 60% مصابون بإعاقة تقلّ عن 25%، و40% تجاوزت إعاقتهم هذه النسبة. كما أُسر 42,041 شخصًا في سجون الحرب، ولعبوا دورًا محوريًا في ذاكرة تلك المرحلة.

لكن الأرقام الرسمية لا تعبّر عن الواقع الكامل، فبحسب العميد محمد باقر نيكخواه، قائد الدفاع الكيميائي أثناء الحرب، فإن نحو 250,000 جندي تعرضوا للغازات السامة، ما يرفع العدد الحقيقي لذوي الإعاقة إلى أكثر من 800,000. ويُذكر أن الكثير من هؤلاء لم يسجلوا إعاقتهم رسميًا، وكانوا يسعون لاحقًا لإثباتها.

رغم الوضع الحرج في بداية الحرب، استطاعت الجمهورية الإسلامية أن تتكيّف وتعتمد على طاقاتها الداخلية، مما مكنها إلى حد ما من الحفاظ على قدرات عسكرية وسياسية واقتصادية خلال تلك الفترة الحربية.

الظروف العسكرية والاستعداد الدفاعي

عند بداية الحرب، كانت قوات الحرس الثوري منشغلة بمهمات داخلية ضد المجموعات الانفصالية في مناطق مثل كردستان، سيستان وبلوشستان، خوزستان، وغنبد، ولم يكن لديها وجود فعّال على الحدود.

أشارت تقارير استخباراتية أميركية إلى أن العراق كان يتمتع بتفوق عسكري، رغم أن إيران كانت تتفوق في عدد الطائرات. لكن الانهيار الهيكلي في الجيش الإيراني بعد الثورة منح العراق الأفضلية من حيث الكفاءة والعدد.

وبعد 17 يومًا فقط من بدء الحرب، في 17 أكتوبر 1980، أدركت إيران الحاجة العاجلة لامتلاك قدرات صاروخية، عندما قصفت القوات العراقية مدينة دزفول بصاروخ “فروغ 7″، مما أدى إلى مقتل 70 شخصًا. تكررت هذه الهجمات الصاروخية حتى 21 مارس 1984، وبلغ عددها 1,706 هجمة.

في يوليو 1984، قررت إيران الرد بالمثل عبر استهداف المدن العراقية لإجبار صدام على وقف القصف. إلا أن الحصول على صواريخ كان شبه مستحيل بسبب الحظر الدولي، حتى وافقت سوريا على تدريب ضباط إيرانيين على استخدام الصواريخ. ثم وافق الزعيم الليبي معمر القذافي على تزويد إيران بـ8 صواريخ سكود B روسية الصنع، مع منصتين للإطلاق وطاقم تشغيل.

في 3 نوفمبر 1984، سافر 13 عنصرًا من الحرس الثوري بقيادة حسن طهراني مقدم إلى سوريا بشكل سري، وخضعوا لدورات تدريبية مكثفة في اللواء الصاروخي 155، وأنهوا الدورة في شهرين بدلًا من ستة.

وفي 4 مارس 1985، بدأ العراق موجة جديدة من الحرب الصاروخية. وردًا على ذلك، حذرت وزارة الدفاع الإيرانية العراق ومنحته مهلة 48 ساعة، إلا أن التهديد لم يؤخذ على محمل الجد. وفي 21 مارس 1985، أطلقت إيران أول صاروخ على مصفاة كركوك.

تواصلت الضربات الإيرانية في الأيام التالية، واستهدفت عدة مواقع استراتيجية في العراق، مثل بنك الرافدين ونادي الضباط، عبر إطلاق تسعة صواريخ إضافية.

  • إيران بعد الحرب الإيرانية العراقية

استمرت الحرب الإيرانية – العراقية ثماني سنوات (1980 – 1988) كانت كافية لإحداث دمار واسع في البنية التحتية للعديد من مناطق إيران، ولإحداث تحولات عميقة شملت المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية. ومع نهاية الحرب في صيف عام 1988 بقبول إيران لقرار مجلس الأمن رقم 598، دخلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة جديدة اتسمت بإعادة الإعمار وإعادة تعريف السياسات، ومواجهة تحديات معقدة داخليًا وخارجيًا.

أولى التحولات كانت على المستوى السياسي. فقد شكلت نهاية الحرب مقدّمة لتحولات دستورية وهيكلية داخل النظام. ففي عام 1989، وبعد وفاة مؤسس الجمهورية الإمام الخميني، تم تعديل الدستور الإيراني، وهو تعديل حمل دلالات سياسية كبيرة. كانت الحرب، طوال سنواتها، عنصرًا موحدًا للأمة الإيرانية، لكنها بإنهائها فتحت الباب أمام أسئلة جديدة تتعلق بالشرعية السياسية وطرق إدارتها في سياق مختلف.

من أبرز معالم هذه التحولات كان انتخاب آية الله علي خامنئي في يونيو 1989 كقائد جديد للجمهورية الإسلامية خلفًا للخميني، وهو حدث يمكن اعتباره أبرز تحول سياسي بعد الحرب، لا سيما أنه صعد للمنصب في وقت لم يكون قد نال رتبة الاجتهاد في الحوزة العلمية. كما أدّت مراجعة الدستور إلى تركيز أكبر للسلطة في مؤسسة القيادة، مقابل إضعاف صلاحيات مؤسسة الرئاسة. هذه المراجعة أسهمت أيضًا في إزالة منصب رئيس الوزراء، بحيث نُقلت كافة صلاحياته إلى رئيس الجمهورية والوزراء، ليُصبح الرئيس مسؤولًا مباشرًا عن تشكيل الحكومة وتوجيه السلطة التنفيذية. هذا التغيير الهيكلي كان له أثر عميق على كيفية إدارة البلاد سياسيًا في مرحلة ما بعد الحرب.

تلا ذلك ظهور الانقسامات السياسية الداخلية، لا سيما بين التيار المحافظ والإصلاحي، وهو انقسام بدأ يتبلور في التسعينيات وامتد ليُشكّل المشهد السياسي الإيراني في العقد الذي تلاه. كما تعززت أدوار مؤسسات مثل الحرس الثوري، ومجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، وهيئة الإذاعة والتلفزيون، حيث باتت تلعب أدوارًا مركزية في توجيه السياسات الداخلية والخارجية للجمهورية الإسلامية.

على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، واجهت إيران تحديًا هائلًا في إعادة إعمار ما دمرته الحرب. عند توقف إطلاق النار، كان الاقتصاد الإيراني يعاني من تآكل خطير في بنيته الأساسية وقدرته الإنتاجية، خصوصًا مع الدمار الواسع الذي طال عشرات المدن في غرب وجنوب البلاد. كما انخفض إنتاج النفط بشكل كبير، وتراجعت الإيرادات النقدية بشكل حاد.

استجابة لهذا الواقع، أطلقت الحكومة برئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني (1989 – 1997) برنامجًا اقتصاديًا أُطلق عليه اسم “البناء”، وكان هدفه الأساسي إعادة بناء البنية التحتية المدمرة وتحقيق نمو اقتصادي مستدام. ومن أجل تأمين الموارد اللازمة لهذا المشروع الطموح، لجأت إيران إلى الاقتراض من البنوك الدولية ومن دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الدين الخارجي للبلاد.

اقتصاديًا، بدأ التحول من نموذج الاقتصاد المغلق إلى نموذج شبه مفتوح. ورغم أن الاقتصاد ظل متمحورًا حول الدولة، فقد بدأت تظهر سياسات جديدة تسعى إلى جذب الاستثمارات، وتشجيع الخصخصة، وتوسيع التجارة الخارجية. ومع ذلك، رافقت هذه المرحلة صعوبات كبيرة تمثلت في التضخم المرتفع الذي بلغ نسبًا مزدوجة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع معدلات البطالة، وهي مشكلات اقتصادية بقيت تؤرق الحكومة والمجتمع في آنٍ معًا.

اجتماعيًا، برز جيل جديد أُطلق عليه تسمية “جيل الحرب”، وهم أولئك الذين قضوا طفولتهم في أجواء الحرب والحرمان. هؤلاء، ومع مرور الوقت، تحولوا إلى فاعلين سياسيين واجتماعيين، وبعضهم وصل إلى مواقع متقدمة في مؤسسات الدولة، خصوصًا في عقود التسعينيات والألفين. كما شهد المجتمع تحولات ملحوظة في نمط الحياة، حيث بدأت مظاهر التحضر تنتشر على نطاق واسع، وظهرت أدوات اتصال جديدة غيّرت من شكل العلاقات اليومية والقيم التقليدية.

إحدى الظواهر اللافتة أيضًا كانت نمو الطبقة الوسطى، وهي طبقة بدأت تطالب بالوصول إلى خدمات أفضل، وتعليم جامعي، وفرص سكن لائق، ومجالات أوسع للحريات الاجتماعية. بالتوازي مع ذلك، ترسخت في الخطاب الرسمي، وفي الذاكرة الجماعية، ما يمكن تسميته بـ”ثقافة الإيثار والشهادة”، حيث جرى تمجيد تضحيات الجنود والمدنيين عبر الأدب والسينما، والنُصُب التذكارية، والمؤسسات الثقافية، وهي ثقافة لا تزال حاضرة بقوة في الوجدان الإيراني إلى يومنا هذا.

أما على الصعيد العسكري، فقد تركت الحرب أثرًا عميقًا في العقيدة الدفاعية الإيرانية، وساهمت في تعزيز المؤسسات العسكرية. لعب الحرس الثوري دورًا محوريًا في هذه المرحلة، إذ تحوّل من مجرد قوة عسكرية إلى هيئة استراتيجية متعددة الأبعاد لها حضور مؤثر في المجالات السياسية، والاقتصادية، والاستخباراتية. وقد أدت التجربة القاسية خلال الحرب، بالإضافة إلى العقوبات الغربية، إلى دفع إيران نحو تطوير صناعاتها الدفاعية الذاتية، وهو ما تمثّل في مشاريع محلية لتصنيع الصواريخ الباليستية، والطائرات بدون طيار، وغيرها من المعدات العسكرية المتقدمة.

كما عملت الجمهورية الإسلامية على امتلاك نفوذ إقليمي لحماية مصالحها، فضلًا عن تجنب القتال داخل أراضيها وهو الأمر الذي قاله القائد الأعلى علي خامنئي في أحد المناسبات عندما تحدث عن التدخل الإيراني في سوريا، فدعمت قوى متحالفة معها في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان، وحركات المقاومة في فلسطين. في ضوء تلك الرؤية، أعادت إيران صياغة عقيدتها الدفاعية لتكون قائمة على الردع، والدفاع غير المتناظر، وتوظيف القدرات الإقليمية لردع أي تهديد محتمل.

وفي سياق موازٍ، أعادت إيران تنشيط برنامجها النووي. فمع بداية التسعينيات، وبعد انتهاء الحرب، بدأت خطوات جديدة في هذا المجال من خلال التعاون مع دول مثل روسيا والصين. كانت الأهداف المعلنة هي بناء محطات طاقة نووية وتطوير تقنيات تخصيب اليورانيوم، وهو مسار سيصبح لاحقًا محط أنظار وقلق المجتمع الدولي.

ختامًا، يمكن القول إن إيران، بعد الحرب الإيرانية – العراقية، واجهت واقعًا معقدًا تطلب إعادة إعمار شامل، ليس فقط في البنية المادية، بل في الهياكل السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. سعت القيادة الإيرانية إلى الانتقال من حالة الأزمة إلى حالة من الاستقرار النسبي، معتمدة على تجربة الحرب كنقطة انطلاق تاريخية رسمت معالم مسار البلاد لسنوات طويلة لاحقة. فقد ظلت تلك الحرب، بكل مآسيها وتضحياتها، مرجعًا مركزيًا لفهم السياسات الإيرانية، سواء في الداخل أو في الخارج.

  • الواقع الإيراني قبل “طوفان الأقصى”

منذ عام 2018، واجهت إيران تحديات سياسية متزايدة، بدأت بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في مايو من ذلك العام، وما تبعه من إعادة فرض العقوبات الاقتصادية، ما أدى إلى توتر داخلي وخارجي متصاعد. الاحتجاجات الشعبية اتسعت رقعتها، مدفوعة بالاستياء من الفساد والبطالة والقيود السياسية.

في الانتخابات الرئاسية لعام 2021، أسفرت النتائج عن فوز إبراهيم رئيسي، مما أدخل البلاد في مرحلة سياسية جديدة، لكنها لم تخلُ من الانتقادات المتواصلة بشأن غياب الحريات السياسية وتدهور وضع حقوق الإنسان. تدهورت العلاقات الإيرانية مع الغرب، خصوصًا مع الغرب، بشكل واضح، وكان لذلك انعكاسات على السياسة الداخلية والخارجية للجمهورية الإسلامية.

اقتصاديًا، تعرضت إيران لضربات موجعة نتيجة العقوبات، لا سيما في قطاعي النفط والغاز، ما تسبب بانخفاض كبير في الإيرادات الوطنية. منذ عام 2018، شهدت البلاد ارتفاعًا حادًا في التضخم تجاوز 40% في عام 2022، بينما بلغت البطالة نحو 10%.

رغم محاولات الحكومة إطلاق برامج لدعم الإنتاج المحلي وتحسين الوضع الاقتصادي، فإن هذه الخطط اصطدمت بعقبات هيكلية حادة، إلى جانب استمرار العقوبات. هذا الانهيار الاقتصادي أشعل موجات متتالية من الغضب الشعبي، خاصة في عامي 2019 و2022، حيث خرجت احتجاجات واسعة النطاق احتجاجًا على غياب الحريات، ارتفاع الأسعار وسوء الأوضاع المعيشية.

القيود المفروضة على الحريات العامة، وعلى رأسها حرية التعبير، زادت من تأجيج الغضب الداخلي، لا سيما بين فئتي الشباب والنساء، اللتين شكّلتا عماد الحراك الشعبي، في ظل تقارير حقوقية متكررة عن الانتهاكات.

أما عسكريًا، فوفقًا لمعهد السلام التابع للولايات المتحدة، تمتلك إيران أكبر ترسانة من الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط. وهي الدولة الوحيدة التي تملك صواريخ يزيد مداها عن 2000 كيلومتر من دون أن تمتلك سلاحًا نوويًا.

رغم أن تكنولوجيا الصواريخ الباليستية تعود للحرب العالمية الثانية، فإن قلة من الدول تمتلك القدرة على إنتاجها محليًا. وقد نجحت إيران في تطوير برنامجها الصاروخي خلال العقود الماضية، رغم العقوبات العسكرية الدولية القاسية التي فُرضت عليها منذ الثورة، وخاصة خلال العقدين الأخيرين.

القائد الأعلى علي خامنئي عبّر عن فخره بهذا الإنجاز، قائلاً إن كل هذا التقدم الصاروخي تم في ظل العقوبات. ففي ديسمبر 2006، صدر القرار 1737 عن مجلس الأمن الدولي، الذي حظر بيع أو نقل المواد والتكنولوجيا النووية إلى إيران، ومنع التعامل مع المواد ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري). تبعه في مارس 2007 القرار 1747، الذي وسّع العقوبات لتشمل حظر بيع أو شراء أي أسلحة تقليدية، ومنع نقل التكنولوجيا العسكرية.

منذ ذلك الحين، كانت إيران ممنوعة فعليًا من شراء أسلحة حتى من حلفاء مثل روسيا والصين. ومع أن برنامجها الصاروخي تطور بشكل ملحوظ، فإن الغرب بقي يرى في امتلاك إيران لهذه التكنولوجيا مقدمة للسعي نحو سلاح نووي.

في يوليو 2015، وُقّع الاتفاق النووي، وتبناه القرار 2231 الذي رفع العقوبات المفروضة من مجلس الأمن، لكنه أبقى “آلية الزناد” التي تتيح إعادة فرض العقوبات حتى عام 2025.

رغم الاتفاق، واصلت إيران تجاربها الصاروخية، ما دفع دولًا كأمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا إلى اتهامها بانتهاك القرار 2231 في مارس 2016. أحد الأسباب التي دفعت الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى الانسحاب من الاتفاق عام 2018، كان عدم وجود رقابة صارمة على البرنامج الصاروخي الإيراني.

وبعد انتهاء المهلة المحددة في القرار 2231، حاولت حكومة الرئيس حسن روحاني في أكتوبر 2021 شراء أسلحة من روسيا والصين، إلا أن العقوبات حالت دون إتمام هذه الصفقات. وفي الوقت الراهن، تنتج إيران أكثر من خمسين نوعًا من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، بالإضافة إلى الطائرات العسكرية بدون طيار.

كما شهد البرنامج النووي الإيراني تحولات جوهرية منذ عام 2002، عندما كشفت أجهزة الاستخبارات الغربية عنه لأول مرة، ما أثار قلقًا دوليًا واسعًا.

في 2006، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على إيران لعدم تعاونها مع المفتشين الدوليين، شملت قيودًا اقتصادية وعسكرية. لكن مع وصول حسن روحاني إلى الرئاسة عام 2013، انطلقت مفاوضات بين إيران ودول مجموعة 1+5، بهدف الحد من التصعيد والتوصل إلى اتفاق يتيح لإيران مواصلة أنشطتها النووية السلمية مقابل تخفيف العقوبات.

وفي 14 يوليو 2015، تم توقيع الاتفاق النووي، حيث وافقت إيران على الحد من تخصيب اليورانيوم وتقليص مخزوناته، إلى جانب قبول رقابة مشددة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

غير أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 مايو 2018 بالانسحاب من الاتفاق أعاد التوتر إلى الساحة. ورافق الانسحاب إعادة فرض العقوبات الاقتصادية، ما فاقم الأزمة الاقتصادية الإيرانية.

ردًا على ذلك، بدأت طهران تقليص التزاماتها تدريجيًا، وأعلنت توسيع برنامجها النووي، ما أثار قلقًا متجددًا من احتمال سعيها لتطوير سلاح نووي، وعاد التوتر الإقليمي إلى الواجهة بقوة.

  • الصواريخ الإيرانية من الثورة حتى اليوم

بعد الثورة، حققت إيران تقدمًا ملحوظًا في صناعتها الصاروخية. من أولى الصواريخ القصيرة المدى إلى الصواريخ بعيدة المدى والمتقدمة، شهدنا تقدمًا كل عام يدل على الاكتفاء الذاتي وترقية التكنولوجيا الدفاعية للبلاد. في هذه المقالة، نستعرض تاريخ أهم الصواريخ الإيرانية من عام 1987 حتى عام 2023.

السنوات الأولى: 1987 إلى 1990

 * 1987

 * مجتمع-5؛ أول صاروخ صلب الوقود بمدى 100 كيلومتر.

 * نازعات-6؛ مدى 78 كيلومتر.

 * 1988

 * زلزال-1؛ مدى 130 كيلومتر، أول صاروخ مزود بمحرك دوران.

 * نازعات-10؛ مدى 150 كيلومتر، أبعد صاروخ من جيل نازعات.

 * 1989

 * تندر 69؛ النسخة الإيرانية من SRBM الصينية.

الدخول إلى الصواريخ الباليستية: 1993 إلى 1998

 * 1993

 * شهاب-1؛ مدى 300 كيلومتر، أول صاروخ سائل الوقود في إيران.

 * 1994

 * زلزال 3؛ مدى 250 كيلومتر.

 * 1995

 * شهاب-2؛ مدى 500 كيلومتر، مع نظام توجيه باليستي.

 * 1998

 * شهاب-3؛ مدى 1150 كيلومتر، أول صاروخ بعيد المدى باليستي في إيران.

التقدم في العقد 2000

 * 2002

 * فاتح-110A؛ مدى 200 كيلومتر (باليستي).

 * 2004

 * قدر-F؛ مدى 1950 كيلومتر (باليستي).

 * 2005

 * قدر-H؛ مدى 1650 كيلومتر (باليستي).

 * 2007

 * سجیل؛ مدى 2000 كيلومتر، أول صاروخ صلب الوقود ذو مرحلتين.

 * 2009

 * قيام-1؛ مدى 800 كيلومتر، أول صاروخ بدون أجنحة في إيران.

 * خليج فارس؛ مدى 300 كيلومتر، صاروخ باليستي مضاد للسفن.

التنوع والتطوير في العقد 2010

 * 2012

 * فاتح-110؛ مدى 300 إلى 500 كيلومتر.

 * مشکات؛ مدى 2000 كيلومتر، صاروخ كروز.

 * 2013

 * هرمز-1؛ مدى 300 كيلومتر، باليستي مضاد للرادار.

 * هرمز-2؛ مدى 300 كيلومتر، باليستي بحري.

 * 2014

 * زلزال؛ مدى 270 كيلومتر.

 * هرمز؛ مدى 300 كيلومتر، باليستي مضاد للرادار.

 * سومار؛ مدى 2000 إلى 2500 كيلومتر، صاروخ كروز.

 * يا علي؛ مدى 700 كيلومتر، صاروخ كروز.

 * 2015

 * عماد؛ مدى 1700 كيلومتر، مزود برأس حربي موجه.

 * 2016

 * ذوالفقار؛ مدى 700 كيلومتر، برأس حربي قابل للفصل.

 * 2017

 * خرمشهر؛ مدى 200 كيلومتر.

التقدمات الجديدة والحديثة: 2018 إلى 2023

 * 2018

 * فاتح مبين؛ مدى 500 كيلومتر، مزود بكاشف حراري.

 * خرمشهر-2؛ مدى 200 كيلومتر.

 * دزفول؛ مدى 100 كيلومتر، الجيل الجديد من ذوالفقار.

 * هویزه؛ مدى 1250 كيلومتر، صاروخ كروز.

 * 2019

 * زهیر؛ مدى 500 كيلومتر.

 * 2020

 * حاج قاسم؛ مدى 1400 كيلومتر.

 * شهيد ابومهدی؛ مدى 1000 كيلومتر، صاروخ كروز.

 * ذوالفقار بصیر؛ مدى 700 كيلومتر، مضاد للسفن.

 * 2021

 * خیبرشکن؛ مدى 1450 كيلومتر.

 * قيام-2؛ مدى 1000 كيلومتر.

 * فتح-360؛ مدى 200 كيلومتر.

 * 2022

 * پاوه؛ مدى 1650 كيلومتر، صاروخ كروز.

 * 2023

 * فتاح-1؛ مدى 1400 كيلومتر.

 * فتاح-2؛ مدى 1400 كيلومتر، صاروخ كروز.

 * رضوان؛ مدى 1400 كيلومتر.

تمكنت إيران على مدار أربعة عقود مضت من إنتاج مجموعة متنوعة من الصواريخ الباليستية والكروز بمدايات وقدرات مختلفة. هذه التقدمات، بالإضافة إلى زيادة القوة الدفاعية، تعكس الجهود المبذولة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا العسكرية المتقدمة. تُعتبر الصواريخ الإيرانية اليوم واحدة من الركائز الأساسية لقوة الردع في البلاد.

  • حرب إيران الثانية: إسرائيل وأميركا في المواجهة

شنت إسرائيل، يوم الجمعة 13 يونيو، سلسلة هجمات على أهداف في مختلف أنحاء إيران، ووصفت العملية بأنها “هجوم دقيق واستباقي” يهدف إلى ضرب البرنامجين النووي والعسكري للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

في المقابل، توعد أبو الفضل شكارچي، المتحدث باسم هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، برد “قاطع”، محذرًا من أن “إسرائيل يجب أن تكون متأكدة من أنها ستدفع ثمنًا باهظًا”.

وفي أول تعليق له على الضربات، اعتبر القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي، أن “النظام الصهيوني قد رسم لنفسه مصيرًا مريرًا ومؤلمًا من خلال هذه الجريمة”، مضيفًا أن هذا الكيان “سوف يختبر بالتأكيد نتائج فعلته”.

وتعد هذه المرة الأولى التي تعلن فيها إسرائيل صراحة استهدافها للمنشآت النووية الإيرانية، كما أنها الهجوم الإسرائيلي الثاني المباشر على إيران منذ العملية التي نفذتها حركة حماس ضد إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.

وسط استمرار الرد الإيراني والقصف الإسرائيلي على امتداد الجغرافيا الإيرانية، دخلت الولايات المتحدة إلى المشهد بإعلان الرئيس دونالد ترامب فجر الأحد 22 حزيران/ يونيو 2022 -أي بعد أكثر من أسبوع من انطلاق الحرب- عن قيام الطائرات الأميركية بالقضاء على المفاعلات النووية الثلاثة “فوردو، نطنز، أصفهان”، داعيًا إيران أن تأتي للسلام، وفي ذات الوقت حذرها بأن هناك الكثير من الأهداف التي يمكن أن تضرب بسهولة.

في المقابل، أقرت إيران بالضربات الأميركية التي طالت منشأتها النووية، إلا أنها لم تتحدث حتى الأن عن حجم الخسائر التي خلفتها الغارات الأميركية.

في محاولة لفهم موازين القوى في هذا النزاع، قامت مؤسسة الدراسات الاستراتيجية الدولية (IISS) بإجراء مقارنة دقيقة للقوة العسكرية لكل من إيران وإسرائيل، اعتمادًا على مصادر متنوعة شملت التصريحات الرسمية وتحليلات المصادر المفتوحة، بهدف تقديم تقديرات أقرب إلى الواقع.

وبحسب المؤسسة، فإن ميزانية الدفاع الإسرائيلية تفوق نظيرتها الإيرانية بدرجة كبيرة، ما يمنحها تفوقًا ملحوظًا في أي مواجهة محتملة. وتشير الأرقام إلى أن ميزانية الدفاع الإيرانية خلال عامي 2022 و2023 بلغت نحو 4.7 مليار دولار، في حين خصصت إسرائيل أكثر من أضعاف هذا المبلغ، بما يعادل نحو 19 مليار دولار. كما أن نسبة الإنفاق العسكري إلى الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل تفوق تلك المسجلة في إيران بمرتين، ما يعكس فارقًا واضحًا في القدرة الاقتصادية المخصصة للإنفاق الدفاعي.

ويؤكد نيكولاس مارش، من معهد أبحاث السلام في أوسلو (PRIO)، أن مؤسسة الدراسات الاستراتيجية الدولية تُعد مرجعًا موثوقًا في قياس قدرات الدول العسكرية.

تشير بيانات المؤسسة إلى أن إسرائيل تملك 340 طائرة عسكرية جاهزة، ما يمنحها تفوقًا واضحًا في تنفيذ الهجمات الجوية الدقيقة. وتشمل هذه الترسانة طائرات F-15 ذات القدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، ومقاتلات F-35 الشبحية المتطورة، إضافة إلى مروحيات هجومية سريعة.

في المقابل، تمتلك إيران حوالي 320 طائرة مقاتلة، تعود غالبيتها إلى طرازات قديمة من ستينيات القرن الماضي، أبرزها F-4 وF-5 وF-14، وهي الأخيرة التي نالت شهرة عالمية في فيلم “Top Gun” عام 1986. غير أن فعالية هذه الطائرات محل تساؤل، بحسب نيكولاس مارش، الذي يشير إلى صعوبات كبيرة في تأمين قطع الغيار اللازمة لتشغيل هذه الطائرات القديمة.

كما تشكل أنظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية، خاصة “القبة الحديدية” و”السهم”، أحد أعمدة البنية الدفاعية للدولة العبرية. ويوزي روبين، مؤسس منظمة الدفاع الصاروخي بوزارة الدفاع الإسرائيلية والباحث حاليًا في معهد الاستراتيجية والأمن في القدس، أعرب عن شعوره بالأمان الكبير الذي شعر به بعد أن تمكنت هذه الأنظمة، بدعم من الحلفاء، من اعتراض وتدمير معظم الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.

وقال روبين لبي بي سي: “شعرت بثقة ورضا كبيرين… هذا النظام متخصص للغاية ودقيق في مواجهة أهدافه. إنه نظام دفاع صاروخي قصير المدى لا يوجد له نظير في أي دولة أخرى.”

مع “إيران… ٤٦ عامًا على المحك”. اضغط هنا لمتابعة تغطية “الجادة” لمجريات الحرب الإسرائيلية- الإيرانية

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: