ما بعد الظلال: أولى الحروب المباشرة بين إيران وإسرائيل
لعقود طويلة، ظلّ الصراع الإيراني الإسرائيلي حبيس الظلال، يتغذّى على الحروب بالوكالة، والعمليات السيبرانية السرية، والاغتيالات المخطّط لها بعناية شديدة. لكنّ ما نشهده اليوم يُمثّل تحوّلًا جذريًا: إنها حرب مباشرة بين مركزين سياديين للسلطة، من دون وسطاء أو وكلاء أو حلفاء.
المواجهة الجديدة بمختلف تفاصيلها، لا تشير فقط إلى نقطة تحوّل في الاستراتيجية الإقليمية، بل تكشف أيضًا حدود الطموح الإسرائيلي في تغيير الأنظمة، وثغرات العقيدة الإيرانية القائمة على الرد، وانهيار منطق الردع لصالح منطق القتال المباشر بما يعنيه ذلك من نتائج قاسية على طرفي المعركة.
وما يجعل هذا الصراع فريدًا ليس شدّته فقط، بل نمطه الجغرافيّ. هي ليست حربًا على حدود مشتركة، ولا على ساحات قتالٍ تقليديّة، بل مواجهة بين دولتين لا تربطهما جبهة اشتباك ميدانيّ بريّ. هذا الغياب للمواجهة المباشرة يقلّص احتمالات الحسم العسكري، ويجعل تحويل الإنجازات التكتيكية إلى مكاسب استراتيجية أمرًا بالغ التعقيد. وحين لا توجد أرض لتُحتل أو تُحرر، تصبح الحرب صراع استنزاف متبادل، واستثمارًا لنتائج هذا الاستنزاف.
منذ البداية، بدا جليًا أن أهداف إسرائيل تتجاوز إنهاء الردع أو إنهاء البرنامج النووي الإيراني. فكما جاء في الإعلامين العبري والغربي، الهدف هو تغيير النظام، بدعم من بديل ملكي يمثله رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع. وقد رافقت هذه الرؤية حملة إعلامية متزامنة للترويج لـ«إيران الجديدة» – تستميل بعض وجوه المعارضة، وتقدّم نموذجًا موعودًا بـ«إصلاح من دون قطيعة».
لكن هذه المقاربة تعكس سوء تقدير عميق: الظنّ بأن السرديات الخارجية قد تعوّض عن غياب الشرعية الداخلية. ومع غياب الدعم الشعبي الواضح أو تصدّع مؤسسات الدولة، تبدو هذه الحملة وكأنها تصبّ في صالح الرواية الرسمية الإيرانية القائلة إنّ المعارضة مصنوعة في الخارج.
الحملة العسكرية الإسرائيلية تصاعدت بسرعة إلى ما يتجاوز الاستهدافات الميدانية، إذ انتقلت إلى محاولة تفكيك العمق الاستراتيجي الإيراني. إيران بدورها ردّت وفق مبدأ «الألم مقابل الألم»، فنفذت هجمات غير مسبوقة في عمق الأراضي الإسرائيلية، مع استيعاب الضربات والاغتيالات. لكن إسرائيل استعجلت إدخال الولايات المتحدة على الخط، ما أشار إلى رغبتها في الذهاب أبعد من الردّ، نحو إكمال «المهمة».
الرد الإيراني: إدارة أزمة بحسابات استراتيجية
لكن إسقاط النظام ليس هدفًا يسهل تحقيقه. حتى لو ذهبت إسرائيل إلى استهداف القائد الأعلى السيد علي خامنئي، فإن النظام الإيراني يمتلك بروتوكولات خلافة واضحة، وقد كُلّفت لجان خاصة بتنظيم انتقال السلطة سريعًا لتفادي أي فراغ. فمنذ عام 1979، تم تصميم الجمهورية الإسلامية لتكون كيانًا مقاوِمًا للأزمات، مع بنى رديفة في كل مستوى لامتصاص الصدمات.
حتى بعد استهداف الطبقة العسكرية العليا، أثبتت المنظومة قدرتها على امتصاص الضربة وإطلاق ردّ سريع. ولم تنفذ إيران تهديداتها بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي، ولا بإغلاق مضيق هرمز. أما ضرباتها الصاروخية فظلت مدروسة، ومتنوعة تكتيكيًا، وتشي باحترافيّةٍ في إدارة كثاقة النيران أمام جدار الاعتراض المتطوّر الذي تتمتّع به إسرائيل وحلفاؤها.
الأزمة عميقة، لكن الردّ الإيراني بقي باردًا، محسوبًا، ومتّسقًا مع ما دأبت عليه القيادة الإيرانية في لحظات المواجهة القصوى.
هذا النهج يشير إلى رغبة في الحفاظ على البيئة الاستراتيجية للردّ من دون الوقوع في فخّ التصعيد غير القابل للضبط.
بل يبدو أن إيران تحاول جعل هذه الحرب عبئًا سياسيًا على خصومها. هذه الموازنة بين إظهار القوة والحفاظ على هامش للمناورة المستقبلية، تعني أن طهران لا ترى بعدُ في هذه الحرب تحوّلًا لا رجعة فيه.
لكن هذا الحذر الإيراني يُبرز نقطة ضعف بنيوية: الاعتياد على التفاعل بدل المبادرة. فمنذ حرب 2006 في لبنان، مرورًا بيوم 7 أكتوبر، وصولًا إلى اليوم، دأبت طهران على امتصاص الضربة الأولى قبل أن تردّ. هذا النمط المتوقّع يمنح الخصوم قدرة على التحكم بإيقاع الحرب ودوائر التصعيد.
المفكرون الاستراتيجيون يسمّون هذا الفخ بـ«الاستجابة المُقيّدة»، حين يبقى طرف دائمًا في موقع التفاعل لا القيادة، ويترك لخصمه تحديد الجغرافيا، والتوقيت، والسردية.
تتفاقم هذه المشكلة بسبب تراجع فاعلية تحالفات إيران الإقليمية. فرغم الخطاب الطويل عن دعم فلسطين ومواجهة النفوذ الإسرائيلي، لم تستطع طهران تحويل هذا الإطار الأيديولوجي إلى نموذج سياسيٍّ يكون عونًا لها في معركتها على حافة الوجوديّة، والمؤشرات واضحة، حيث يواجه محور المقاومة ضغوطًا متزايدة:
- في العراق، تراجعت فاعلية الفصائل بفعل الاستهدافات والضعف السياسي.
- في سوريا تلاشى الحضور الإيراني وتزايد الضغط الإسرائيلي، وتحوّلت أولويات روسيا منذ ما قبل سقوط نظام الأسد الذي شكّل ضربةً قاصمة لطهران.
- في لبنان، يواجه حزب الله أصعب مراحله. تحديات داخلية خانقة بسبب الانهيار الاقتصادي وإعادة إعمار ما هدمته الحرب، والانقسام السياسي الضاغط حول سلاحه، والضربات الإسرائيلية المتكررة رغم وجود اتفاق وقف إطلاق النار.
لا يعني هذا أن إيران فقدت حضورها، لكنه يكشف عن تآكل تدريجي في عمقها الاستراتيجي، وعن صعوبات متزايدة في تحريك الجبهات الإقليمية كرافعة للقرار المركزي في طهران.
رغم هشاشة الوضع الإيراني، إلا أن تفكيك منظومتها الصاروخية والطائرات المسيّرة يتطلب جهدًا طويل الأمد يتجاوز الضربات الجوية الدقيقة.
قدرة إيران على امتصاص الضربات والاستمرار في إطلاق صواريخها تُثبت أن بنيتها العسكرية متجذّرة ومرنة. وينطبق هذا على البرنامج النووي أيضًا. فبالرغم من استهداف مواقع محددة، يبقى الواقع أعقد بكثير. البرنامج النووي الإيراني شديد التمويه، ومبني على طبقات من التكرار والردائف. والأهم، أن المعرفة التقنية باتت موزعة بين آلاف العلماء والمهندسين، ولا يمكن محوها بالقصف.
التفكيك الكامل للبرنامج يتطلّب مجهودًا عسكريًا واسع النطاق والتزامًا سياسيًا دوليًا طويل الأمد، وهو أمر غير مرجّح من دون نتائج مضمونة.
السؤال الحاسم الآن: كم صاروخ يمكن لإيران أن تطلقه؟ ولمدة كم من الزمن؟ القدرة التشغيلية ستحدد ما إذا كان بإمكانها الحفاظ على مبدأ «توازن الألم» والإبقاء على مصداقية الردع.
لقد واجهت إيران عمليات تخريب وحروبًا على مدى عقود. قد تكون هذه الحرب الأكثر مباشرة، لكنها ليست الأولى في اختبار البقاء. النظام الإيراني أظهر قدرة متكررة على امتصاص الضربات من دون الانهيار.
ويبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع إيران تحويل خطاب المقاومة إلى رؤية استراتيجية تتماهى مع متطلبات ما بعد الحروب الإقليميّة الضخمة؟
المقاومة، كما تُطرح، ليست سياسة متكاملة، بل أداة ضغط، حتى تصدير الثورة بقي شعارًا أكثر منه مشروعًا مؤسسيًا قابلًا للتكرار.
النتيجة هي أزمة مزدوجة: نظام يدافع عن مشروع ناقص، من دون أن يملك المبادرة. لقد كشفت هذه الحرب المسافة الفاصلة بين الشعار والبنية، وبين الطموح والتنفيذ.
قد تخرج إيران من الحرب مثخنة، لكنها باقية. أما الدرس الأهم، فهو أن القوة النارية وحدها لا تصنع النصر. لقد أظهرت هذه المواجهة أن التحدّي الأكبر ليس في من يضرب أولًا، بل في من يعرف كيف يصمد، ويتعلّم، ويعيد التموضع، ويحوّل الأيديولوجيا إلى مؤسسات قادرة على البقاء والفعل، وهذا هو التحدّي الإيرانيّ الأبرز رغم شراسة الحرب الإسرائيلية.
مع “إيران… ٤٦ عامًا على المحك”. اضغط هنا لمتابعة تغطية “الجادة” لمجريات الحرب الإسرائيلية- الإيرانية

