علي خامنئي… خيط الثورة الإيرانية وحائك دولتها
لم يكن يومًا عادياً في الجمهورية الإسلامية، فالخبر الذي نقله التلفزيون الرسمي ونشرته كافة الوكالات العالمية لم يكن هامشيًا: "استشهد القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، إثر غارة إسرائيلية استهدفت مقره".
ومثل كل شيء في إيران، جاء الإعلان غامضًا بالتفاصيل وواضحًا في الجوهر. وجوه المذيعين الذين أعلنوا الخبر على التلفزيونات الرسمية كانت أكثر شحوبًا من ليل طهران المعتم. لم يكن اغتيالًا عاديًا، ولا موتًا هادئًا في سرير طُويت عليه العقود. كان زلزالًا في عمق الجمهورية الإسلامية.
فخامنئي كان استثنائيًا في تاريخ الدولة، ومستقبلها. كان مفتاح الحل في أكثر من محطة حاسمة، بدءًا من اغتيال محمد علي رجائي، مرورًا بوفاة مؤسس الجمهورية روح الله الخميني، وصولًا إلى الحرب التي عصفت في المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحرب الـ12 يومًا وحتى اغتياله في اليوم الأخير من شباط/ فبراير 2026.
رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اغتيال خامنئي، واصفًا إياه بـ”الرجل الأكثر شرًا في العالم”، إلا أن مصيره بقي مجهولًا عدة ساعات إضافية حتى جاء الإعلان الرسمي من طهران.
فمن هو علي خامنئي وكيف امتدت سيرته الشخصية والسياسية في تسعة عقود؟
ولد علي الحسيني الخامنئي في مشهد، عام 1939، لعائلة من علماء الدين الفقراء. لم يكن ابن المراجع الكبار ولا وريث عمامة السلطة. لكن صوته كان جهوريًا منذ البداية، وحديثه عن المظلومية الشيعية حمل نبرة خطابية تجاوزت سنّه.
تعود أصول عائلة علي خامنئي إلى مدينة تَفَرْش وسط إيران، قبل أن تنتقل إلى منطقة أذربيجان الإيرانية، ثم إلى مدينة النجف في العراق. والده، ذو الأصل التركي الأذري، هاجر من تبريز إلى مشهد، وهو ما يفسر إتقانه الكبير للغة التركية. أما جده، فكان من العلماء الشيعة الأذريين البارزين في الحوزة العلمية في النجف.
يروي علي خامنئي في مذكراته أنه عاش طفولة قاسية، وأن الفقر كان ضيفًا دائمًا على مائدتهم الخالية. يتذكر ليالي لم يجدوا فيها ما يسدّون به رمقهم، ويستعيد كيف كانت والدته تخيط له ولإخوته ملابسهم من أثواب والدهم القديمة.
نشأ في حي فقير بمدينة مشهد، داخل منزل لا تتجاوز مساحته 70 مترًا مربعًا، يتكوّن من غرفة واحدة وسرداب ضيق تغمره العتمة. ولم يتغيّر الحال إلا حين تبرّع بعض تلامذة والده بشراء قطعة أرض مجاورة، ضُمت إلى البيت وسمحت بتوسيعه ليضم ثلاث غرف.
علوم دينية.. وسياسية
لم يكن طريقه معبّدًا بالوعود، بل بالحواجز والصمت والكتب. بعد أن أنهى دراسته الابتدائية في مدرسة دينية تقليدية، انتقل علي خامنئي إلى التعليم الحكومي المسائي، حيث حصل على الشهادة المتوسطة، ثم أتمّ دراسته الثانوية بنجاح. لم تكن تلك المراحل مجرّد عبور أكاديمي، بل بوابة أولى نحو العالم الأوسع، حيث ستتشكل نواته الفكرية والسياسية لاحقًا.
عام 1958، رحل مع والده إلى النجف، المدينة التي تشبه مدن العتمة المقدسة، حيث تتقاطع المعرفة بالورع، وتذوب السياسة في صمت الحوزات. هناك، تتلمذ على يد كبار المرجعيات الشيعية، مثل محسن الحكيم وأبو القاسم الخوئي، ومحمود شاهرودي. لكنه لم يمكث طويلًا. عاد إلى مشهد ليكمل مسيرته العلمية تحت إشراف المرجع محمد هادي ميلاني، الذي سيصبح لاحقًا من أكثر الأسماء تأثيرًا في حياته.
بعد عام فقط، في 1959، انتقل إلى مدينة قم، مركز الثقل الشيعي في إيران، ليغوص أكثر في العلوم الدينية. وهناك، جلس في حلقات دروس حملت أسماء لامعة: روح الله الخميني، محمد حسين الطباطبائي، حسين بجنوردي، مرتضى حائري يزدي، ومحمد محقق ميرداماد. تلك السنوات لم تصقله كطالب علم فحسب، بل كوّنته كفرد يحمل في داخله مشروعًا أكبر من حدود الدرس.
في عام 1964، اضطر إلى العودة إلى مشهد بعد أن فقد والده بصره. لكن العودة لم تكن تراجعًا، بل بداية لمرحلة جديدة: بدأ بتدريس الفقه والتفسير لطلاب صغار، تحت رعاية أستاذه القديم ميلاني. لكن خلف جدران الدرس، كانت فكرة الثورة تنمو همسًا، ثم تتحول إلى قناعة.
بدأ خامنئي يزرع في عقول طلابه بذور الاعتراض على نظام الشاه، ويتحدث عن ضرورة التغيير، لا بل الانقلاب الكامل على الحكم الملكي. لم يكن مجرد واعظ أو محاضر، بل مربٍ سياسي يبني بهدوء شبكته المؤمنة بالتغيير، الشبكة التي ستشارك بعد أعوام قليلة في إسقاط آخر شاه لإيران عام 1979.
يجيد خامنئي عدة لغات، ولديه إلمام واسع بالشعر والأدب، وروى مقربون منه أن ناشطا يساريا شيوعيا أرمينيا كان يعلمه الإنجليزية في سجن قزل بطهران أوائل ستينيات القرن الماضي.
حين عاد الخميني من منفاه الباريسي عام 1979، كان خامنئي جزءًا من الحلقة الضيقة. لم يكن فقيهًا ناضجًا حينها، لكنه كان خطيبًا بارعًا، ترجم الثورة للعامة، وربما صاغ خطابها الشعبي بلهجة الشارع الإيراني المقموع.
مقاومة قبل الثورة
في قلب المشهد الإيراني المعقّد، نشأ علي خامنئي على هامش السياسة التي سرعان ما أصبحت مركزًا في حياته. وُلد في بيت كانت السياسة تحوم حوله، لا في شكل تنظيرات صالونية، بل على هيئة دماء. فقد أُعدم زوج عمّته في زمن الشاه، في واحد من فصول القمع التي جعلت النظام الملكي عدوًا شخصيًا له منذ وقت مبكر.
انفتح وعيه السياسي على صوت الصراخ في السجون، لا على كتب الفلسفة وحدها. كان اللقاء مع مجتبى نوّاب صفوي، زعيم “فدائيي الإسلام”، في مشهد عام 1952، بمثابة شرارة أولى. آنذاك لم يكن يتجاوز الثالثة عشرة من عمره.
لكن الشرارة تحوّلت إلى نار تحت الرماد، ولم تلبث أن اندلعت في الستينيات، حين انخرط بقوة في التيارات المناهضة لحكم محمد رضا بهلوي. فكانت الاعتقالات تتوالى، ست مرات دخل فيها السجن، ومُنع عام 1965 من مغادرة البلاد لعشر سنوات بأمر من جهاز “السافاك”، ذراع الشاه الأمنية الثقيلة.
لم يكن مجرد خطيب من على منبر، بل رجل تنظيم وحركة. في عام 1962، اعتُقل للمرة الأولى بعد مشاركته في اجتماع احتجاجي بمدينة مشهد دعمًا للقضية الفلسطينية، ضمن أنشطة منظمة طلابية سرية. وفي العام 1977، نُفي إلى مدينة إيرانشهر جنوب شرقي البلاد، على أمل أن يبتلعه النسيان في تلك الهضبة المعزولة. لكن الرجل ظلّ يتحرك تحت الأرض، ويبني شبكة من المتعاطفين والمريدين، من طلبة الحوزات والشباب المتدين.
عرف طريقه إلى كربلاء مبكرًا، وفيها التقى بالخميني عام 1957، لقاءً سيصوغ مستقبل إيران بعد أكثر من عقدين. تأثر بأفكاره، وتماهى مع سطوة شخصيته. بعد عامين، جمعهما سقف واحد في قم، حيث عاشا سويًا في منزل مستأجر.
وفي نفس الفترة، تشارك علي خامنئي العمل السياسي مع أسماء ستشكل الطبقة القيادية في إيران ما بعد الثورة: مرتضى مطهري، هاشمي رفسنجاني، محمود طالقاني، بازركان، سحابي، شيباني، كاظم سامي، وآخرون. لم تكن صداقاته آنذاك علاقات طلاب علم، بل تحالفات رجال يعدّون لانقلاب صامت على النظام الملكي.
في عام 1977، اختاره الخميني عضوًا في لجنة سرية من أحد عشر رجل دين بهدف “إصلاح” الحوزة في قم. لكن الإصلاح كان غطاءً لانقلاب فكري وسياسي على المرجعيات التقليدية من جهة، وعلى النظام من جهة أخرى. ومع هذه اللجنة، ولدت “جمعية العلماء المجاهدين”، التي ستتحول لاحقًا إلى الحزب الجمهوري الإسلامي، الحزب الذي سيضع أول لبنات الجمهورية الإسلامية الجديدة.
في عام 1978، مع اقتراب لحظة الانفجار، عاد إلى مشهد ليقود هناك الجناح الثوري من الانتفاضة ضد الشاه في محافظة خراسان، حيث كانت المساجد تتحول إلى خلايا سياسية، والخطب إلى رسائل مشفّرة توجّه الميدان.
وبعد انتصار الثورة، شارك خامنئي في تأسيس الحزب الجمهوري الإسلامي مع محمد بهشتي ورفسنجاني وآخرين. سيطر الحزب على القرار السياسي في البلاد لعدة سنوات، قبل أن يقرّر الخميني حلّه عام 1987، بعد أن استُنزف في صراعات داخلية وعراك على السلطة.
أما لحظة تثبيت اسمه في الوعي الغربيّ، فكانت مع أزمة الرهائن الأميركيين في طهران، بعد اقتحام السفارة من قبل الطلاب في نوفمبر/تشرين الثاني 1979. كان خامنئي أحد مفاوضي الملف الأساسيّين، وصوتًا قويًا في الدفاع عن الموقف الإيرانيّ طوال 444 يومًا من الأزمة.
من الجبهة إلى الحوزة
في الحرب العراقية – الإيرانية، كان خامنئي صلة الوصل بين رجال الدين والمقاتلين على الجبهات. غبار الجنوب التصق بعمامته، وصوره وهو يتنقّل بين الخنادق لا تزال تُوزّع حتى اليوم في منشورات الحرس الثوري.
أُنتخب رئيسًا للجمهورية عام 1981، بعد اغتيال محمد علي رجائي، في لحظة من أكثر لحظات الجمهورية توترًا. لم يكن للرئاسة سلطة مطلقة، لكن خامنئي بدأ ينسج علاقاته داخل مؤسسات الدولة العميقة.
وفي صيف 1981، وبينما كان علي خامنئي يلقي خطبة حماسية في جامع أبي ذر بطهران، انفجرت آلة تسجيل وُضعت أمامه على المنبر. كانت محاولة اغتيال مدروسة بعناية، دبّرتها منظمة “مجاهدي خلق”، الحركة المسلحة المعارضة للنظام الوليد في إيران. نجا الرجل من الموت، لكن جسده حمل آثار الانفجار إلى الأبد: أعصاب يده اليمنى تمزّقت، وباتت مشلولة، لتظلّ شاهدة على مرحلة كانت فيها الثورة تأكل أبناءها وتطارد من يهدّد سرديتها.
هذه الضربة، وإن أبعدته مؤقتًا عن المنابر، لم تخرجه من ساحة التأثير. فعلي خامنئي كان قد أصبح أحد أعمدة الجمهورية الجديدة، لا فقط كخطيب، بل كفاعل سياسي – تنظيمي منذ الأيام الأولى لسقوط الشاه.
بعد انتصار الثورة عام 1979، اختاره الخميني ضمن اللجنة المصغرة التي عُرفت بـ”لجنة الثورة”، والتي ضمت كبار رجال الدين والسياسة: مرتضى مطهري، محمد بهشتي، مهدوي كني، هاشمي رفسنجاني، محمد جواد باهنر، عبد الكريم موسوي أردبيلي، إضافة إلى خامنئي نفسه. لم تكن لجنة صورية، بل هي من تولّت الإمساك بمفاصل الدولة الناشئة، وأدارت المفاوضات الحساسة مع حكومة الشاه المنهارة، ومع العواصم الغربية وعلى رأسها واشنطن، في لحظة مفصلية كانت البلاد تتأرجح بين الفوضى والتأسيس.
من بين أولى قرارات اللجنة، كان إنشاء قوة أمنية عقائدية لحماية الثورة من “أعدائها في الداخل والخارج”. وهكذا وُلد “الحرس الثوري الإيراني”، ومعه اللجان الثورية وقوات التعبئة الشعبية (الباسيج)، وهي التشكيلات التي ستتحول لاحقًا إلى أذرع سياسية واقتصادية وأمنية للنظام. وكان خامنئي في تلك المرحلة المبكرة هو المسؤول المباشر عن الإشراف على هذه الكيانات حتى نهاية عام 1979، حين قرر خوض أول تجربة برلمانية له، مرشحًا لمجلس الشورى.
لم يكن مجرد عضو في البرلمان، بل صوتًا نافذًا في الصراع بين التيارات داخل الدولة الإسلامية الوليدة، خصوصًا في سنوات الحرب مع العراق، التي بدأت في سبتمبر/أيلول 1980. لم يكن خامنئي رجل نظريات فقط، بل انخرط بنفسه متطوعًا في جبهات القتال، ولا سيما في منطقة الأهواز، حيث كانت المعارك محتدمة، وكانت الدولة الإيرانية في بداياتها تحارب على جبهتين: جبهة الخارج ممثلة بآلة الحرب العراقية، وجبهة الداخل المثقلة بالخلافات السياسية والتوترات بين الحرس القديم و”الحداثيين” الثوريين.
كانت تلك السنوات هي التي صنعت صورة خامنئي كسياسي متماسك، قادر على الربط بين البندقية والفتوى، بين الجبهة والمحراب، وبين الخطابة الشعبية وفن التفاوض مع الداخل والخارج. سنوات ستؤهله لاحقًا لوراثة عباءة الخميني حين يحين الرحيل.
وعندما رحل الخميني عام 1989، في مشهد جنائزي هو الأكبر في تاريخ إيران، جاءت المفاجأة الكبرى: تم تعيين خامنئي قائدًا أعلى للجمهورية الإسلامية، رغم أن درجته الدينية لم تكن تؤهله في نظر بعض العلماء. لكن السياسة سبقت الفقه، وبدأ عهد امتد لأكثر من ثلاثة عقود.
خامنئي المفكر: بين التنظير الديني والتأصيل السياسي
بعيدًا عن صورته كزعيم سياسي وقائد ديني، تتجلى في علي خامنئي شخصية المفكر والمنظّر، الذي راكم خلال عقود من العمل الفكري والدعوي مؤلفات وترجمات تشكّل جزءًا من البنية الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية.
منذ بداياته، انشغل خامنئي بالكتابة والترجمة، خصوصًا في مجالات الفقه، التفسير، والفكر السياسي الإسلامي، مساهمًا في نقل وتأصيل مفاهيم إسلامية كان لها وقع خاص على جيل ما بعد الثورة.
في طليعة أعماله الترجمية، تبرز علاقته المبكرة بالفكر الحركي الإسلامي، ويتجلى ذلك بوضوح في ترجمته لعدد من مؤلفات سيد قطب – أبرز رموز الإسلام السياسي في العالم العربي – إلى الفارسية، ومنها “في ظلال القرآن” و”المستقبل لهذا الدين”. هذه الترجمات لم تكن عملًا لغويًا محضًا، بل كانت مساهمة في توطين خطاب الجهاد العقائدي، وإعادة إنتاجه ضمن السياق الإيراني الثوري.
أما على صعيد التأليف، فقد أنتج خامنئي طيفًا واسعًا من الكتب التي تجمع بين الدراسات الحوزوية والتنظير السياسي – الإسلامي. من بين مؤلفاته الأساسية:
• أربعة كتب أصلية في علم الرجال، أحد أهم فروع علوم الحديث الشيعية، تعكس تكوينه الحوزوي التقليدي.
• تشريح رؤية الإسلام في القرآن والمشروع العام للفكر الإسلامي في القرآن، وهما عملان يندرجان ضمن ما يمكن تسميته بـ”التفسير الحركي للقرآن”، حيث يتقاطع الفهم الديني مع البعد السياسي.
• الحكومة في الإسلام والولاية، وهما نصان يكشفان ملامح نظرته إلى مفهوم السلطة الدينية والسياسية، في انسجام تام مع مبدأ ولاية الفقيه الذي يشكل حجر الزاوية في النظام الإيراني.
• بحث في الفكر الإسلامي ودروس في معرفة الإسلام، محاولات لتقديم رؤية شمولية للإسلام كنظام حياة، لا مجرد دين شعائري.
• تقرير عن تاريخ الحوزة العلمية لمدينة قم وشرح حالها، وثيقة فكرية وتاريخية تضيء على صيرورة أحد أهم المراكز الدينية في العالم الشيعي، وتلمّح إلى الإصلاحات التي أرادها خامنئي للحوزة.
• كما كتب في التاريخ الإسلامي والسياسي، من خلال أعمال مثل دور المسلمين في ثورة الهند والشيخ المفيد وهوية التشيّع، في سعي واضح إلى ربط التشيّع بحركات التحرر، وإعادة قراءة الرموز والوقائع التاريخية من منظور معاصر.
مجمل هذا الإنتاج لا ينفصل عن مشروع خامنئي السياسي، بل يشكل أحد أركانه المعرفية، حيث تتداخل فيه المرجعية الدينية مع البناء الأيديولوجي، في محاولة لتأصيل نموذج إسلامي شيعي ثوري خاص، يقدّم نفسه كبديل للأنظمة الغربية والعلمانية في العالم الإسلامي.
“القائد الأعلى” الاستراتيجي
لم يكن خامنئي قائدًا أعلى بمعناه الديني المنبثق من ولاية الفقيه فقط، بل كان “قائدًا أعلى” بالمعنى الاستراتيجي. ولم يكن محصورًا في دور الإفتاء، بل كان حاكمًا فعليًا يوجّه السياسات الخارجية، يعيّن قادة الجيش، يقرّ الخطوط العامة للاقتصاد، ويشرف على الإعلام والمؤسسات الدينية الكبرى.
في خطبه، دائمًا ما كان يؤكد أن “السياسة عبادة”، وأن “المقاومة قدر إيران لا خيارها”. من هنا، فهمت الجمهورية علاقتها بالعالم: لا مساومة مع “الشيطان الأكبر” أي الولايات المتحدة، ولا اعتراف بوجود إسرائيل.
تشكّلت سياسة إيران الخارجية من تحت عمامته. حزب الله في لبنان، الحوثيون في اليمن، الفصائل المسلحة في العراق، الدفاع عن الأسد في سوريا، كلها امتدادات لعقيدة رآها خامنئي، في امتداد لرؤية الخميني، جزءًا من “الرد الإقليمي” على النفوذ الأميركي – الإسرائيلي.
كان بارعًا في الحرب غير المتكافئة. دعم “حركات المقاومة” لم يكن عنده فقط خيارًا أمنيًا، بل واجبًا دينيًا. قال ذات مرة في خطبة الجمعة: “إسرائيل سرطانٌ يجب استئصاله، وأميركا شيطان يجب فضحه.” ورغم العقوبات، الانهيارات الاقتصادية، الانتفاضات الشعبية، لم يبدُ عليه أتراجع.
الثورة والثروة.. وصراع الداخل
لم يكن الرجل من أولئك الذين يغدقون على أنفسهم مظاهر السلطة. بيته في طهران ظل بسيطًا، لكن شبكة السلطة التي نسجها حوله كانت محكمة. أسّس ما يُعرف اليوم بـ”بيت القيادة”، وهي مؤسسة تفوق في نفوذها الرئاسة، تسيطر على مفاصل الأمن، الاستخبارات، الإعلام، بل حتى القضاء.
خصومه في الداخل كُثّر. التيار الإصلاحي رأى فيه حاجزًا أمام التحديث، والحرس القديم اتّهمه بتقوية الحرس الثوري على حساب المؤسسات الدستورية. على الضفة الأخرى من المشهد، اتهمه المحتجون الإيرانيين خلال السنوات الأخيرة خصوصا في موجة التظاهر الأخيرة بالقاتل والديكتاتور لكنه واجه الجميع بسلاح الصبر، وخطابات تُبثّ على الهواء مباشرة حاول فيها ضبط النبض للشارع المؤيد للنظام كلما اهتزّ.
برحيله، دخلت إيران مرحلة الغموض الكامل. فالسؤال لم يكن يومًا: من هو القائد الأعلى؟ بل: هل يمكن للجمهورية الإسلامية أن تعيش من دونه؟ في السنوات الأخيرة، وتحديدًا بعد وفاة الرئيس السابق إبراهيم رئيسي، جرى تداول اسم نجله مجتبى، رجل الظل الذي لم يُنتخب يومًا، لكنه يُقال إنه نسج شبكة تحالفات من خلف الستار. وهناك المؤسسة العسكرية التي لن تتخلى بسهولة عن إرث بنته بدماء قاسم سليماني وآلاف المقاتلين في الاقليم.
لكن خامنئي كان أكثر من شخص. كان “الضامن” كما يُطلق عليه أنصاره. الضامن للاستمرارية، للهوية، للخوف، وللثبات. رحل الرجل، لكن ظله سيبقى طويلًا في دهاليز طهران، وفي عيون العسكر، وفي خُطب الجمعة، وفي شعارات الميادين من ضاحية بيروت الجنوبية إلى صنعاء.

