إفراج سعودي عن رجل دين إيراني: هل تغلبت إرادة التقارب على العقبات؟
في العلاقة بين طهران والرياض، لا شيء بسيط، حتى مراسم الحج. الجدل الذي انفجر مؤخرًا بعد اعتقال رجل الدين الإيراني غلام رضا قاسميان في مكة، بسبب نشره مقطع فيديو ينتقد فيه السلطات السعودية، بدا وكأنه حجر صغير رُمِيَ في بركة العلاقات الآخذة في الصفاء بين طهران والرياض. لكن في الشرق الأوسط، حتى الحجر الصغير قد يوقظ عاصفة.
وأفرج صباح اليوم الخميس عن قاسميان “في إطار العلاقات الودية بين البلدين وبتعاون كبار مسؤولي السعودية وبدون تقديمه للمحاكمة” بحسب بيان منظمة الحج والزيارة الإيرانية.
قاسميان ليس رجل دين عاديًا. تاريخه يزاحم الحاضر، وهو ليس غريبًا عن الرمزية الثورية للجمهورية الإسلامية. اسمه طُرح في مشهدين لا يُنسَيان: هجوم “قوات التعبئة” التابعة للحرس الثوري على السفارة البريطانية عام 2011، وحرق السفارة السعودية بطهران في كانون الثاني/ يناير 2016. يومها كان “الصوت الدافع للاحتجاجات” وفق وسائل إعلام إيرانية. واليوم، وبين مناسك الحج، اشتعل فتيل الجدل مجددًا بعد ما نشره قاسميان.
غلام رضا قاسميان شخصية دينية وسياسية لطالما أثارت جدلًا، تقف عند تقاطع الدين والسلطة، بخطابٍ حاد وتحالفات متجذرة في عمق المؤسسة. في عام 2020، عُيِّن من قِبل محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، رئيسًا لمكتبة ومتحف ومركز وثائق البرلمان، لكن ولايته لم تدم طويلاً. علاقته بقاليباف لم تكن وليدة المنصب، بل تعود إلى زمن إدارة الأخير لبلدية طهران، حيث “أثيرت الشبهات حول عقود ضخمة أبرمت مع مقر إمام رضا التابع للحرس الثوري، لإدارة مراكز “بهاران” الاجتماعية”، وفق تقرير موقع “رويداد 24”.
ورغم انخراطه الدائم في المجال الديني، لم يتردد قاسميان في دخول المعترك السياسي، فقد سجّل ترشحه لانتخابات مجلس بلدية طهران عام 2017، لكن هذه المرة من دون عباءته وعمامته، ضمن قائمة مقربة من مهدي جمران، أحد الوجوه البارزة في التيار الأصولي، دون أن يُكتب له النجاح.
قاسميان في تسجيله، قال ما قاله، وأعاد خلط المشهد. السعودية أوقفته؛ لكن إيران، على غير عادتها، سارعت إلى إطلاق التصريحات التي يُلمس منها إدانة له. كانت لغة البيانات الرسمية خالية من التصعيد، حريصة على كل فاصلة. فوزير الخارجية عباس عراقتشي قال من سلطنة عمان: “لن نسمح لأحد بالإضرار بعلاقاتنا مع السعودية”. وأضاف، بنبرة هادئة: “نحيي حكومة المملكة على إدارتها لموسم الحج”.
في المقابل، أطل السفير الإيراني في الرياض علي رضا عنايتي بتغريدة أثنت على “جهود المملكة”، مؤكدًا التزام الحجاج الإيرانيين بالقوانين. كلمات تكاد تكون مصاغة بمسطرة دبلوماسية، تعكس حرصًا واضحًا على ألا تهتز خيوط المصالحة التي نُسجت ببطء منذ اتفاق بكين التاريخي.
كما أن الحكومة الإيرانية أكدت في بيان “التزامها بمتابعة أوضاع أي مواطن يواجه مشاكل في بلد آخر”، وأضافت: “يُتوقع من المواطنين في الدول الأخرى ألا يقدموا على أي إجراءات من شأنها أن تخلق مشاكل للمصالح الوطنية”.
صراع داخل البيت الإيراني
البيانات لم تكن مجرّد دبلوماسية، بل كانت إنقاذًا استباقيًا لتقارب نادر في إقليم مضطرب. فطهران، على ما يبدو، تعي أن أي انزلاق لفظي في موسم الحج قد يتحوّل إلى كرة ثلج تعصف بملفات أكبر: من مستقبل التفاهمات الثنائية إلى الحوار غير المباشر مع واشنطن، مرورًا بترتيب التوازنات في الإقليم.
لكن خلف الستار، تعكس القضية شيئًا أعمق: صراع داخل البيت الإيراني نفسه. فقاسميان ليس مجرد حاجٍ معتقل، بل شخصية معروفة بعلاقاتها مع دوائر السلطة، مقرّب من محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، ومُرتبط بمراكز نفوذ داخل الحرس الثوري. تقرير موقع “رويداد 24” كشف خيوطًا من ماضيه وعلاقاته المالية والسياسية.
هل تصرّف قاسميان بدافع فردي؟ أم كان حلقة جديدة في لعبة شد الحبال بين تيارات متصارعة؟ موقع “خبر فوري” طرح الأسئلة الأكثر جذرية: هل أراد قاسميان خلق أزمة؟ أم إثبات ولاء؟ أم ربما فتح جبهة جديدة باسم المقاومة؟
السلطات الإيرانية، رغم تحفظها، حرصت على إرسال رسائل مزدوجة. فمن جهة، انتقدت تصريحات قاسميان واعتبرتها رأيًا شخصيًا، كما قال عبد الفتاح نواب، ممثل القائد الأعلى في شؤون الحج. ومن جهة أخرى، تحرّكت دبلوماسيًا: وزارة الخارجية أصدرت مذكرة رسمية للإفراج عنه، وأكدت لقاء الممثلية الإيرانية به مرتين، بانتظار لقاء ثالث.
لكن الانقسام الداخلي لم يتأخر في الظهور. ميثم نيلي، صهر الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، شنّ هجومًا على الخارجية، متهمًا إياها بالتقصير في حماية من “يقول الحق” أمام “ديكتاتور أجنبي”، وذكّر أن تصريحات قاسميان مأخوذة من خطب الإمام الحسين. مشهد يعكس مفارقة إيرانية خالصة: بين الدبلوماسية والعقيدة، بين المصلحة والرواية.
في الوقت نفسه، أكدت السلطة القضائية أن “مواقفها تتماشى مع المواقف الإستراتيجية للنظام”، نافضة يدها من تصريحات قاسميان.
الرسالة تبدو هنا واضحة: هناك خط رسمي جديد، ومَن يحيد عنه، حتى ولو باسم الثورة، فقد يُسقِط نفسه.

