الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة24 مايو 2025 09:48
للمشاركة:

معضلة التخصيب بين إيران وأميركا: هل يمكن إنقاذ المفاوضات؟

تُعَدُّ مسألة تخصيب اليورانيوم إحدى أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات النووية الجارية بين إيران والولايات المتحدة، ففي حين تُصرُّ واشنطن على ضرورة وقف التخصيب بشكل كامل، تُؤكِّد طهران على حقّها السيادي في مواصلة التخصيب لأغراض سلمية، وقد يهدّد هذا التباين بانهيار المفاوضات.

ولعل التأخير في انعقاد الجولة الخامسة من التفاوض التي جرت في روما يعود إلى عمق الخلاف المذكور، حيث انتهت تلك الجولة بتأكيد طهران وجود أفكار قدمها الوسيط العُماني وتحتاج لدراسة في العواصم ذات الشأن في ذات الوقت الذي ستعمل فيه مسقط على صياغتها بطريقة تفصيلية. في الأثناء، برزت عدد من السيناريوهات قد تقود إلى حل تلك المعضلة.

جوهر الأزمة

تتمحور الأزمة في إصرار الولايات المتحدة على أنّ أي اتفاق نووي جديد يجب أن يتضمّن وقفًا كاملًا لتخصيب اليورانيوم في إيران، حيث ترى أنّ التخصيب يُمثِّل طريقًا محتملًا نحو تطوير أسلحة نووية. في المقابل، تُشدِّد إيران على أنّ التخصيب حقٌ مشروعٌ لها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وتُؤكِّد أنّ برنامجها النووي يهدف لأغراض سلمية فقط.

السياق التفاوضي الحالي

منذ نيسان/ أبريل 2025، عُقدت خمس جولات من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، بوساطة عمانية، في كل من مسقط وروما.

وكان القائد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي قد صرّح قبل الجولة الأخيرة إنً مطالب واشنطن بوقف التخصيب “مفرطة وغير منطقية”، معبّرًا عن تشاؤمه بشأن نجاح المفاوضات، كما أكد وزير الخارجية عباس عراقتشي أن إيران ستواصل تخصيب اليورانيوم، سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لا، مشدّدًا على أن التخصيب يُمثِّل رمزًا للسيادة الوطنية.

من الجانب الأميركي، أوضح المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف إنّ أي اتفاق يجب أن يتضمّن عدم تخصيب اليورانيوم، معتبرًا أنّ التخصيب يُمثِّل “خطًا أحمر” بالنسبة للولايات المتحدة، حيث أنّ بلاده تسعى لتطبيق نموذج شبيه بالنموذج الإماراتي (طاقة نووية من دون تخصيب داخلي).

في هذا السياق، برزت وساطات دبلوماسية جديدة من قطر وعُمان، إضافةً إلى استعداد روما والوكالة الدولية للطاقة الذرية لاستضافة مفاوضات موسّعة.

ما هي السيناريوهات الممكنة؟

  1. التخصيب تحت رقابة دولية مشدّدة:

توافق إيران على تخصيب اليورانيوم بنسبة لا تتجاوز 3.67%، مع السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بإجراء تفتيشات صارمة وغير محدودة.

إيجابيّاته: يُرضي الطرفين جزئيًا، ويحفظ ماء الوجه لكليهما.
سلبيّاته: يتطلّب بناء ثقة متبادلة، وقد يُواجه صعوبات في التنفيذ.

  1. نقل التخصيب إلى دولة ثالثة:

تقوم إيران بإرسال اليورانيوم الخام إلى دولة ثالثة لتخصيبه، ثم يُعاد إليها للاستخدام السلمي.

إيجابيّاته: يُطمئن الغرب بشأن عدم استخدام إيران للتخصيب في أغراض عسكرية.
سلبياته: تعتبره إيران انتقاصًا من سيادتها الوطنية، وقد ترفضه بشدة.

  1. تجميد مؤقّت للتخصيب مقابل رفع تدريجي للعقوبات:

تُجمِّد إيران أنشطة التخصيب فوق نسبة معينة لفترة محددة، مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية.

إيجابياته: يُوفِّر فرصة لبناء الثقة، ويُمهِّد لاتفاق دائم.
سلبياته: قد يُواجه صعوبات في التنفيذ، ويحتاج إلى ضمانات قوية.

  1. انهيار المفاوضات والتصعيد:

في حال فشل المفاوضات، قد تُواصل إيران تطوير برنامجها النووي، بينما تُصعِّد الولايات المتحدة من عقوباتها وربما تلجأ إلى خيارات عسكرية.

النتائج: مزيد من التوتّر في الخليج، سباق تسلّح إقليمي احتمال تصعيد عسكري.

  1. سيناريو “تحالف تخصيب إقليمي داخل إيران”
  • في محاولة للخروج من المأزق التفاوضي، طرحت إيران مؤخّرًا مقترحًا بإنشاء تحالف إقليمي يضم السعودية والإمارات وربما الولايات المتحدة، للإشراف والمشاركة في أنشطة تخصيب اليورانيوم داخل منشآت إيرانية.
  • يقضي هذا السيناريو بإجراء عمليّات التخصيب على الأراضي الإيرانية بنسبة لا تتجاوز 3.67%، لكن تحت إشراف فنّي وتكنولوجي مباشر من الدول المشاركة.
  • إيجابياته:
  • يُبقي على السيادة الإيرانية الرمزية على البرنامج
  • يمنح واشنطن وحلفاءها الإقليميين ضمانات فنية وسياسية
  • يُعزّز الشفافية ويُمكن أن يكون نموذجًا لتعاون نووي إقليمي
  • سلبياته:
  • يحتاج إلى توافق دبلوماسي معقّد ومفاوضات طويلة ومعقّدة
  • قد يُواجَه بالرفض من أطراف داخلية متشدّدة في إيران، ومن الكونغرس الأميركي أو اللوبي الإسرائيلي.

لماذا تصر الولايات المتحدة على وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني بالكامل؟

رأى الكاتب الإيراني جعفر يوسفي أنه رغم تمحور ظاهر الخلاف بين إيران والولايات المتحدة بشأن نسب التخصيب (3.67% أو أكثر)، إلا أنّ جذر المشكلة يرتبط بمفاهيم استراتيجية تتجاوز الجانب الفني والتقني، حيث ترى واشنطن في أي قدرة تخصيب سلمية خطرًا استراتيجيًا طويل الأمد يجب احتواؤه.

وفي صحيفة “خراسان” الإيرانية، أضاف يوسفي أنّ هنالك ستة أسباب رئيسية لإصرار واشنطن على “تخصيب صفري” في إيران:

  • منع إنشاء نموذج إقليمي قابل للتكرار:
    إذا أُقرّ حق إيران في التخصيب، حتى تحت إشراف دولي، فسيُستخدم كمرجع لتبرير مطالب مشابهة من دول مثل السعودية وتركيا ومصر، مما قد يؤدّي إلى اتساع دائرة الدول المطالبة بانشاء برنامج نووي، وبالتالي تهديد بنية معاهدة منع الانتشار.
  • الحفاظ على تفوّق إسرائيل الاستراتيجي:
    ترى إسرائيل أنّ أي قدرة تخصيب محدودة في إيران ستقوّض قدرتها على الردع، لأنها تُقصر الزمن اللازم لإنتاج سلاح نووي (breakout time) إلى أقل من شهر. من هنا، تُعتبر أي بنية تحتية نووية في إيران تهديدًا وجوديًا.
  • استخدام الملف كورقة تفاوض في ملفات غير نووية: التخصيب يُستخدم كورقة ضغط للتفاوض بشأن البرنامج الصاروخي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران. تعتبر الولايات المتحدة وقف التخصيب ورقة للمساومة وليس هدفًا منفردًا.
  • الاستجابة للضغط السياسي والكونغرس الأميركي: أي تنازل أميركي يُعدُّ مخاطرة سياسية داخلية. فالجمهوريون، ولوبي إسرائيل، والإعلام المؤثر يدفعون باتجاه سياسة “صفر تخصيب” كشرط لأي اتفاق.
  • التحكّم بسوق الطاقة العالمي: تُدرك واشنطن أنّ عودة إيران الكاملة لسوق الطاقة العالمي، مع رفع العقوبات، ستُربك توازن العرض والطلب في أسواق النفط والغاز، مما يضرّ بالمصالح الأميركية.
  • استراتيجية كبح التكنولوجيا المستقلّة: تتبع الولايات المتحدة سياسة تقييد التكنولوجيا المتقدمة خارج نفوذها الأمني. يُنظر إلى امتلاك إيران لتكنولوجيا نووية مستقلّة (حتى سلمية) كتهديد لنظام السيطرة الغربية على المعرفة والتكنولوجيا.

لماذا ترفض إيران خيار التخصيب الصفري؟

  • الحق القانوني في المادة الرابعة من معاهدة NPT: التخصيب حق سيادي لأي دولة ما دامت لا تسعى لسلاح.
  • استثمارات ضخمة علمية واقتصادية: ترى إيران أنّ التراجع عن التخصيب يُعد إهدارًا لتضحيات، وخاصة الشخصيّات التي تمّ اغتيالها بسبب البرنامج النووي الإيراني وتكاليف عقدين من الزمن.
  • حاجة تشغيلية فعليّة للمفاعلات الطبية والبحثية، خاصة في ظل الحصار الذي يمنع استيراد الوقود النووي.
  • أثر تجربة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي 2018: ترى إيران أن التخلّي عن التخصيب من دون ضمانات يُفقدها أدوات الردع والمساومة.
  • رمزية وطنية: التخصيب في الثقافة السياسية الإيرانية يُعدُّ رمزًا للكرامة والسيادة والتقدّم.
  • غياب العدالة في المنطقة: في حين تمتلك إسرائيل ترسانة نووية خارج أي رقابة، يُطلب من إيران التنازل حتى عن التكنولوجيا السلمية.

المواقف الدولية من مسألة التخصيب

الولايات المتحدة: إصرار على وقف التخصيب بشكل كامل واعتباره تهديدًا للأمن الدولي.

الاتحاد الأوروبي: يُفضِّل العودة إلى الاتفاق النووي الأصلي مع بعض التعديلات، ويُؤيِّد استمرار التخصيب بنسبة منخفضة تحت رقابة دولية، ومن جهة أخرى فقد لوّح مسؤولون أوربيون إلى احتمال لجوء أوروبا إلى تفعيل آليّة الزناد في حال فشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.

روسيا والصين: تُدافعان عن حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وتُعارضان العقوبات الأحادية.

إسرائيل: تعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، وتُعارض أي اتفاق لا يشمل وقف التخصيب بالكامل.

دول الخليج: تعبّر عن قلقها من أي تقدم إيراني في هذا المجال، وتُطالب بضمانات واضحة تمنع التوجّه نحو التسليح.

سيناريوهات إيران والولايات المتحدة بحال فشل المفاوضات

  • السيناريو الإيراني: خطوات تصعيدية، منها:

رفع نسبة التخصيب: قد تُقدم إيران على زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم إلى مستويات أعلى من 60%، وهو ما يُقرّبها من القدرة على إنتاج سلاح نووي، كوسيلة للضغط على المجتمع الدولي.

تقليص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية: من المحتمل أن تُقلّص إيران من تعاونها مع الوكالة، عبر تقليص عمليات التفتيش أو تعليق العمل بالبروتوكول الإضافي.

تصعيد إقليمي: قد تلجأ إيران إلى تصعيد دعمها لحلفائها في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان أو حركة أنصار الله في اليمن، كوسيلة للضغط غير المباشر على الولايات المتحدة وحلفائها.

تعزيز العلاقات مع روسيا والصين: قد تسعى إيران إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع روسيا والصين، كبديل عن العلاقات مع الغرب، ولتخفيف أثر العقوبات الأميركية.

  • السيناريو الأميركي:

في المقابل، قد تتّخذ الولايات المتحدة خطوات تصعيدية في حال فشل المفاوضات، منها:

تشديد العقوبات الاقتصادية: إعادة فرض عقوبات اقتصادية صارمة على إيران، تستهدف قطاعات حيوية مثل النفط والغاز والقطاع المالي.

اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي: قد تسعى الولايات المتحدة لإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران من خلال تفعيل آلية “الزناد” (Snapback) في مجلس الأمن.

تحرّك عسكري محدود أو غير مباشر: قد تلجأ الولايات المتحدة إلى تنفيذ عمليّات سيبرانية أو دعم عمليّات استخباراتية تستهدف البرنامج النووي الإيراني، من دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.

تعزيز التنسيق مع الحلفاء الإقليميين: قد تعمل الولايات المتحدة على تعزيز التنسيق مع حلفائها في المنطقة، مثل إسرائيل ودول الخليج.

في حال تحقق هذه السيناريوهات، فإنّ المنطقة قد تشهد تصعيدًا خطيرًا يُهدّد الاستقرار الإقليمي والدولي، ويُعيد الأزمة النووية الإيرانية إلى الواجهة الدولية بشكل أكثر حدة.

تحليلات وآراء الخبراء

أشار الدبلوماسي الإيراني السابق كوروش أحمدي إلى أنّ فكرة “ائتلاف التخصيب الدولي” قد تُشكِّل حلًا وسطًا. وفي مقال له في صحيفة هم ميهن” الإيرانية، اعتبر أحمدي أنه يمكن أن يُشارك خبراء دوليون في عمليّات التخصيب داخل إيران، مما يُعزِّز الثقة ويُقلِّل من المخاوف.

واستنتج محلّل الشؤون الدولية عبد الرضا فرجي راد أنّ تصريحات المسؤولين الأميركيين مؤخّرًا تدلّ على أنّ الجانبين يبحثان عن حل، وأنه رغم قساوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن التقدّم الذي أحرزته إيران، إلا أنه كان أكثر ليونة في التعامل مع القضية النووية مقارنة بالفترات السابقة.
وفي افتتاحية صحيفة “شروع” الاقتصادية، أضاف فرجي راد أنّ الجانبين توصّلا إلى نتيجة تفيد بضرورة التوصل لاتفاق، أو إلى حلّ مؤقت، وبعدها يمكن استئناف المفاوضات، مؤكدًا أنّ الجولات المقبلة ستحمل مسارًا لن تعود الأمور بعده إلى الوراء أبدًا.

من جهته قال المحلل السياسي إسماعيل كرامي مقدم إنّ المفاوضات وصلت إلى مرحلة حسّاسة، وإنّ إيران ستواصل استخدام حقّها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، مع إمكانية قبول وجود مفتشين دوليين لضمان الشفافية.

الأبعاد السياسية والأمنية للأزمة

  • داخليًا في إيران: يُعتَبَر البرنامج النووي مصدرًا للفخر الوطني، وأي تنازل كبير قد يُفسَّر كخضوع للضغوط الخارجية، مما يُضعِف الجبهة الداخلية.
  • في الولايات المتحدة: تُواجِه الإدارة الأميركية ضغوطًا من الكونغرس واللوبيات المؤثرة، مما يجعل من الصعب تقديم تنازلات من دون ضمانات قوية.
  • إقليميًا: تُثير الأزمة مخاوف من اندلاع سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط، خاصةً مع تهديدات إسرائيل بشن ضربات عسكرية على المنشآت النووية الإيرانية.

تُواجه المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة تحديات كبيرة، خاصةً في ظل التباين الحاد في المواقف بشأن تخصيب اليورانيوم. ومع ذلك، فإنّ التوصل إلى حل وسط يُراعي مصالح الطرفين ويُعزِّز من الاستقرار الإقليمي يظل ممكنًا، إذا توفرت الإرادة السياسية والمرونة اللازمة.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: