مؤتمر طهران.. هل حمل رسالة أميركية؟
على وقع زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المنطقة وانعقاد القمة العربية في بغداد، انطلقت أعمال منتدى طهران للحوار تحت عنوان “العامل الإقليمي في النظام والفوضى العالميين: توافق أم خلاف” (Tehran Dialogue Forum) الأحد بحضور مسؤولين إيرانيين وأجانب في مكتب الدراسات السياسية والدولية التابع لوزارة الخارجية.
وعلی هامش المنتدى، أجاب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي عن سؤال بشأن نقل سلطنة رسالة أميركية: “لم نتلقَّ أي رسالة مكتوبة من جانب عُمان. ومن المحتمل أن تُعقد الجولة المقبلة من المفاوضات قريبًا، وسيُعلَن عن زمانها ومكانها قريبًا”.
وبالإضافة إلى عراقتشي، حضر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان افتتاح المنتدى، مع مجموعة من الشخصيات أبرزها رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية كمال خرازي، وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، وزير خارجية طاجيكستان سراج الدين ميرالدين، رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبد المهدي، أمين مجلس الأمن الأرمني آرمن غريغوريان ومساعد الرئيس أذربيجاني حكمت حاجييف.
ويعقد هذا المنتدى على مدى يومين بمشاركة 200 وفد يشمل مسؤولين رفيعي المستوى من 53 دولة، ووزراء وصنّاع قرار من دول الخليج، وممثلين عن الأمم المتحدة.
إيران: ملتزمون بالدبلوماسية
بدوره أكد عراقتشي التزام ايران بالدبلوماسية وتسعى من أجل اتفاق عادل ومتوازن يتم التوصل إليه في إطار معاهدة حظر الانتشار النووي، مع الاحترام الكامل لحقوق إيران النووية، على أن يضمن بشكل موضوعي الرفع الشامل للعقوبات.
واستعرض عراقتشي أحداث العام الماضي على الساحة الدولية والسياسة الخارجية، وصرًح: “للأسف، كان العام الماضي مصحوبًا بأحداث مريرة ومآسي إنسانية. وفي مقدمة هذه المآسي كانت اعتداءات وجرائم الكيان الصهيوني في غزة، وهي جرائم يمكن اعتبارها بلا شك مثالًا واضحًا وغير مسبوق على الإبادة الجماعية. إبادة جماعية شهدها العالم، وأحيانًا تم بثّها على الهواء مباشرة، عبر شاشات التلفزيون أو في الفضاء الالكتروني”.
وتابع: “في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، استشهد أكثر من ستين ألف فلسطيني في قطاع غزة، أغلبهم من النساء والأطفال. وتم تهجير الملايين ووضعهم تحت الحصار وفي ظروف المجاعة الكاملة. ومن المؤسف أنّ العالم فشل في الرد بشكل مناسب ومسؤول على هذه الجريمة. إنّ الصمت الثقيل وعدم التحرّك من جانب القوى التي تعتبر نفسها مدافعة عن الضمير الإنساني، إلى جانب عجز المؤسسات الدولية عن احتواء هذه الكارثة، أمرٌ صادمٌ حقًا ويشكّل جرس إنذار عالمي”.
وأضاف عراقتشي: “أثبتت أزمة غزة مرة أخرى أنه بالإضافة إلى عجز أركان النظام الدولي، فإنّ مصير المنطقة لا يمكن ولا ينبغي أن يظل معتمدًا على قرارات وإرادة قوى من خارج المنطقة. إنّ ما يقدمونه اليوم باعتباره واقع المنطقة هو في الأساس انعكاس لسرديات وتصورات مُصمّمة بعمق، وتستند فقط إلى مصالحهم، والتي تحتاج إلى إعادة تعريف وإصلاح من داخل المنطقة نفسها”.
ورأى عراقتشي أنّ منطقة غرب آسيا بحاجة إلى إعادة التفكير الجذري في تصوّرها لذاتها، حيث قال: “التركيز طويل الأمد على المنافسات التي نشأت عن وهم التهديد الدائم منع تشكيل تعاون فعّال لحل القضايا الإقليمية والعالمية، ومهّد الطريق للتدخّل المخرّب من قبل قوى دولية. والآن هو الوقت المناسب لتبديل هذا الواقع الزائف المصطنع والمفروض، وإقامة نظام حقيقي وأصيل ومرغوب فيه في المنطقة، يعتمد على التفاعل والتفاهم والقيم المشتركة”.
وعن العلاقة مه الدول المجاورة لإيران، جاء في كلمة عراقتشي: “لقد أكدت حكومة الدكتور بزشكيان على سياسة الجوار منذ البداية، وتعمل على توسيع العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية مع الدول الإقليمية. واليوم نشهد أنّ علاقة إيران وجيرانها ــ من الخليج إلى آسيا الوسطى ــ تتحرّك على مسار التفاهم والتعاون والصداقة بعد سنوات من التذبذبات”.
وأشار وزير الخارجية الإيراني إلى أنّ توسيع العلاقات مع الدول الآسيوية والإفريقية وأميركا اللاتينية هو أحد الخطوط الرئيسية لسياسة إيران الخارجية، وأكمل: “إنّ عضوية إيران في مؤسّسات مثل مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، فضلًا عن تعميق التعاون مع الدول الإسلامية وأعضاء حركة عدم الانحياز، تُظهر أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية تسعى إلى لعب دور فعّال في تشكيل نظام متعدد الأقطاب ومتوازن وعادل على المستوى الدولي”.
وعن رؤية إيران لأمن المنطقة، تابع عراقتشي: “من وجهة نظرنا للمنطقة، فإنّ أمن وازدهار كل دولة يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بأمن وازدهار جيرانها. وبناء على ذلك، فبدلًا من الاستمرار في النهج الموجّه نحو التهديد، من الضروري اعتماد نهج موجه نحو الفرص والسعي إلى الترابط الاقتصادي كأساس مستدام للسلام والاستقرار الإقليمي. ويجب علينا إعطاء الأولوية لتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثمارات المشتركة ونقل التكنولوجيا وتنفيذ مشاريع البنية الأساسية، من أجل توفير منصّة للنمو الجماعي والتحسين الملموس في حياة الناس”.
وأردف: “إنّ السلام والأمن في منطقتنا غير ممكنين من دون مقاربة صادقة وعميقة وشاملة للقضية الفلسطينية. واليوم تشكّل القضية الفلسطينية القضية الأكثر أهمية وإلحاحًا على الأجندة الإقليمية. منذ أكثر من سبعين عامًا، ظلّت أرض فلسطين محاصرة بالاحتلال والقمع والظلم. والحقيقة هي أنّ الكيان الإسرائيلي أصبح يشكّل تهديدًا مزمنًا للسلام والاستقرار الإقليميين؛ إنّ التهديد الذي يشكلّه الاحتلال والفصل العنصري والإبادة الجماعية والوصول إلى ترسانة من أسلحة الدمار الشامل هو تهديد يجمع بين هذه العناصر”.
واقترح عراقتشي “حلًّا سلميًا للقضية الفلسطينية من خلال إجراء استفتاء وطني بمشاركة جميع السكان الأصليين لأرض فلسطين – بمن فيهم المسلمون والمسيحيون واليهود – لاتخاذ القرار بشأن النظام السياسي المستقبلي في فلسطين”.
وفي إشارة إلى المفاوضات الإيرانية- الأميركية بوساطة عُمانية قال عراقتشي: “إنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية – باعتبارها طرفًا في معاهدة حظر الانتشار النووي – واستنادًا إلى أسسها الدينية والأخلاقية – لم تسعَ قط إلى امتلاك الأسلحة النووية، وهي ملتزمة بمبدأ عدم إنتاج واستخدام أسلحة الدمار الشامل. لقد حاولنا دائمًا معالجة المخاوف الدولية المنطقية بشأن البرنامج النووي لبلادنا من خلال المشاركة والشفافية”.
وعن مستقبل العلاقة مع أوروبا، أكد وزير الخارجية الإيراني أنّ بلاده مستعدّة في هذا الصدد لبدء فصل جديد في العلاقات إذا رأت إرادة حقيقية ونهجًا مستقلًا من الأطراف الأوروبية، معبّرًا عن أسفه لكون التركيز في السنوات الأخيرة هو على الاختلافات بدلًا من القواسم المشتركة، مما حدّ من القدرة على استغلال فرص التعاون.
وأضاف: “مع ذلك، إذا كانت أوروبا لديها الإرادة اللازمة لتصحيح هذا الاتجاه، فإنّ إيران لا ترى أي عائق أمام إعادة بناء الثقة المتبادلة وتوسيع العلاقات. ومن خلال اتباع نهج مسؤول وبنّاء، يمكن لأوروبا أن تلعب دورًا فعّالًا في عملية التنمية والاستقرار في المنطقة.
بزشكيان: لن نتخلّى عن النشاط النووي السلمي
من جهته، ألقى بزشكيان كلمة جاء فيها: “يقول ترامب في المنطقة إنّ إيران مصدر عدم الاستقرار، هل نحن مصدر الخطر؟ هل نحن من يقتل الناس ويرمي القنابل؟ هو يتحدث عن السلام بينما يفعل هذه الأفعال. في يوم التنصيب، هل نحن من اغتال إسماعيل هنية؟ أنتم دافعتم عن هذا الاغتيال! يقول الإرهابيون للآخرين إنكم إرهابيون؛ هذا هو انعدام الأخلاق وموتها في سياستهم القبيحة. نحن في المنطقة نعيش بأخوّة مع جيراننا، بينما هم يسعون لخلق العداوة. تزوّد الولايات المتحدة كل دولة بالسلاح لنهب موارد المنطقة. لماذا لا يعيش الجميع في سلام”؟
وردًا على سؤال عن سبب حديث ترامب عن المنطقة أثناء جولته، قال بزشكيان: “لا تقبل دول المنطقة أن تنهب الولايات المتحدة مواردها، وتقول الولايات المتحدة إنه يجب أن تقرّر ما يحدث وما لا يحدث. كل من يعترض على الولايات المتحدة تُشنُّ عليه الحرب. لو توقّف نقل الطاقة من الخليج اليوم، سيُشلّون، لكنهم يثيرون الحروب بين دول المنطقة”.
وتابع: “شعوب المنطقة لها الحق في الرخاء، لا تسمح الولايات المتحدة بالنمو، حيث تعتبر أحدهم تهديدًا وتمنح الآخر سلاحًا ليتقاتل الجميع. الخطوة الأولى هي أن نتّحد جميعًا، وأن تعمل دول المنطقة معًا لتحقيق التنمية لشعوبنا؛ لا يمكن أن تكون الثروة في هذه المنطقة من دون تنمية”.
وأردف الرئيس الإيراني: “نحن لا نريد الحرب مع أحد، ونقول إنّ كل شخص يجب أن يحصل على حقّه؛ لا يجب أن يُترك بعض البشر في الحرب وسفك الدماء والضعف بينما ينمو آخرون”.
وعن المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة والرسائل الأميركية المتناقضة بعد كل جولة مفاوضات، صرّح بزشكيان: “يجب أن يقبلوا حقوقنا وحقوق كل دولة وفق المعاهدات الدولية. بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، لنا الحق في البحث النووي السلمي؛ نحتاج هذا العلم للصحة والزراعة والصناعة وغيرها. من قال إنّ لهم الحق في حرمان الدول الأخرى من النمو والعلم؟ يقولون إنهم يريدون أن لا تمتلك إيران أسلحة نووية؛ قال القائد الأعلى إننا من الناحية الإسلامية لا يمكننا امتلاك أسلحة نووية، وانتهى الأمر. أراد كثيرون في البلد امتلاكها لكنّ رأي القيادة ليس كذلك. لن نصنع قنبلة نووية؛ يقولون للمنطقة إننا نسعى نحو السلاح بينما هذا غير صحيح”.
وتابع: “قال ترامب يجب أن نضمن عدم امتلاك إيران لأسلحة نووية، ويمكنهم التحقّق بالطريقة التي يريدونها. كإنسان، أنا لا أقبل أي فرض وإكراه؛ ليصعدوا وليهبطوا، فأنا لا أقبل الفرض والإكراه. لن نتخلّى بأي حال عن النشاط النووي السلمي، ومهما فعلوا، لن نتراجع. إنهم يريدون فرض عقوبات علينا، نحن تحت العقوبات منذ زمن، ومهما فعلوا فنحن نحافظ على علاقاتنا. نحن لا نخاف من الاستشهاد؛ لا يخيفوننا. يقولون إنهم يبحثون عن السلام، فلماذا يلوّحون بالسلاح أمام الآخرين؟ نحن نريد إقامة الأخوّة داخل البلاد وفي العالم، لكننا لن نتنازل عن حقوقنا”.
خرازي: ايران دولة قوية وتستطيع الرد على التهديدات
قال رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية كمال خرازي إنّ المحادثات بين ايران والدول العربية والجارة في المنطقة من شأنها أن تكون أكثر تأثيرًا، لافتًا إلى أنّ السنوات الأخيرة شهدت أجواءً إيجابية للغاية، مما يدلّ على أن الحوار كان مؤثّرًا والسبيل الوحيد لحل قضايا المنطقة وازدهارها.
وعلى صعيد اخر، تطرّق خرازي الى العلاقات الإيرانية – الأوروبية، مبيّنا إنّ أوروبا تمتلك طاقات وفيرة في المجالات المالية والصناعية والتقنية، مما يمكّنها من التأثير كمجموعة مستقلّة، لكنه أسف لكون العلاقات بين إيران وأوروبا تجمّدت إثر انصياع الأخيرة للإملاءات الأميركية، على حد تعبيره.
وعن المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، صرًح خرازي: “إنّ دخول الولايات المتحدة في مفاوضات مع ايران يدلّ على عجزها عن التعامل مع إيران على غرار تعاملها مع الدول الأخرى”.
وتابع: “ايران دولة قوية وتستطيع الرد على التهديدات، والصهاينة أنفسهم يعلمون بأنه لا ينبغي التعامل مع ايران من منطلق التهديد”.
مواقف الضيوف
بدوره أكد القائم بأعمال وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي التزام كابول بمعاهدة “هيرمند”، وقال: “من واجبنا الشرعي كمسلمين أن نساعد المسلمين الذين يعانون من العطش”، وأضاف: “إننا نشهد الآن تشكيل اقتصاد محلي في أفغانستان”.
وتطرّق متقي إلى وجود اللاجئين الأفغان في إيران بالتالي: “إنّ إيران تستضيف اللاجئين الأفغان منذ 40 عامًا بسبب التطوّرات في أفغانستان، ولن ننسى هذا اللطف من إيران”، منوّهًا إلى أنّ أكبر تحدّي مشترك بين البلدين حاليًا هو المخدّرات.
من جانب أخر، تناول وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي ما يحصل في غزة في كلمته: “ما يجعلني متفائلًا هو أنّ مسؤولًا رفيعًا في حماس قال إنّ الرئيس ترامب لديه القدرة على تحقيق السلام، وعلى هذا الأساس تجري محادثات بين حماس وواشنطن”.
وأضاف البوسعيدي: “تأمل تل أبيب من جهة في تحريك الأجواء بعيدًا عن المحادثات، ومن جهة أخرى في تصعيد التوتر على جبهات عدة.. الحوار ليس سهلًا، لذا فمن المفهوم لماذا يتجنّب بعض الأشخاص القيام بذلك. مما لا شك فيه هو أنّ الحوار طريق صعب، وأنّ غزة تُعتبر درسًا فظيعًا لما يحدث عندما يفتقر الناس إلى الشجاعة للحديث إلى بعضهم البعض، وسلطنة عُمان تؤكد التزامها الراسخ بالسعي نحو الحوار الشامل”.
وأردف في ختام كلمته: “أؤكد أنّ سلطنة عمان ملتزمة وبقوة بالسير في المسار الصعب نحو الحوار، وهذا يعني الحوار الذي لا يستثني حتى أولئك الذين قد نختلف معهم بشدّة”.
أما رئيس اقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني فذكّر بأنّ إيران كانت ضمن الدول الأولى التي سادنت الإقليم في مجابهة تنظيم داعش، وقال: “إنّ أراضي إقليم كردستان العراق لم ولن تشكّل مصدر خطر بالنسبة لايران.
من جهته، قال أمين مجلس الأمن القومي الأرميني أرمين غريغوريان خلال “منتدى حوار طهران” إنه لا توجد أي عوائق أمام تطوير العلاقات بين إيران وأرمينيا.
وأضاف: “لا توجد أي عوائق أمام تطوير علاقاتنا، وإذا كانت هناك عوائق، فإنها تنبع أساسًا من طبيعة بيروقراطية، لكننا لا نرى أي عائق، لأنّ هناك إرادة قوية حقيقية لدى الجانبين بهدف تغيير العالم من حولنا والدفع بمسار التنمية”.
وأردف: “لدينا أساس متين من التعاون الأرميني – الإيراني في مسارات مختلفة، لذلك نحن حريصون على تعزيز هذه العلاقات بين البلدين”.
وفي ما يتعلّق بقضية ممر زنغزور، علّق أمين مجلس الأمن القومي الأرميني: “بصراحة، لا يوجد أي نقاش بشأن أي ممر، حتى إننا لا نستخدم مثل هذا المصطلح.. لكننا نتحدث عن كيفية فك انسداد الاتصالات الإقليمية، وإحلال السلام والاستقرار في المنطقة”.

