كتاب “استراتيجية إيران الكبرى”: كيف يعمل الديني والوطني في خدمة النظام؟
يقدّم الصحافي والمؤرخ كريستوفر دو بيليغ مراجعة لكتاب "استراتيجية إيران الكبرى: تاريخ سياسي" الذي يفسّر فيه الباحث المخضرم في الشؤون الإيراني ولي نصر منطلقات السياسات الإيرانية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية.
ويسلّط دو بيليغ الضوء على أبرز ما أورده نصر في هذا الكتاب الذي من المقرّر أن يصبح متاحًا للبيع بنسخته الأصلية الإنكليزية في 27 أيار/ مايو 2025، حيث يبرز الكتاب حسب المقالة المنشورة في مجلة “فورين أفريز” الأميركية أنّ استراتيجية طهران تستند إلى أمن قومي متأثّر بتاريخها وحربها مع العراق.
في ما يلي الترجمة الكاملة للمراجعة من “الجادة”:
يبدو أنّ يد إيران الطويلة كانت في كل مكان في الأزمات التي عصفت بالشرق الأوسط. فمع تركيزها على حزب الله، حليف إيران الشيعي المدجّج بالسلاح في لبنان، لم تكن إسرائيل مستعدّة على الإطلاق للهجوم البري المدمِّر الذي شنّته حركة “حماس” – وهي جماعة فلسطينية مسلّحة مدعومة أيضًا من الجمهورية الإسلامية – انطلاقًا من غزة.
ولم يتوقّع الغرب أنّ الحوثيين في اليمن – وهم ميليشيا يُفترض أنها متشرذمة تلقّت ترسانة كبيرة من الصواريخ من طهران – سيكونون قادرين على شلّ حركة الملاحة العالمية تقريبًا في البحر الأحمر.
لم تكن الصراعات التي أطلقها حلفاء إيران الإقليميون لطيفةً بالنسبة للقيادة الإيرانية. ومن بين الإهانات المتتالية التي تعرّضت لها إيران اغتيال إسماعيل هنية، الزعيم السياسي لحركة حماس، في تموز/ يوليو الماضي، في دار ضيافة حكومية بطهران – وهو دليلٌ صارخ على مدى اختراق الاستخبارات الإسرائيلية لقوّات الأمن الإيرانية – بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بحزب الله والقضاء على معظم قيادته العليا، بمن فيهم زعيمه المؤثّر حسن نصر الله.
إضافةً إلى ذلك، شنّت إسرائيل أكبر غارات جوية شنّتها على الإطلاق ضد إيران، مما أدى – بحسب التقارير – إلى إضعاف الدفاعات الجوية للبلاد، وشهدت الجمهورية الإسلامية السقوط السريع لنظام بشار الأسد، شريكها الوثيق منذ فترة طويلة، في سوريا.
في كتابه “استراتيجية إيران الكبرى: تاريخ سياسي”، يسعى ولي نصر إلى فهم آليّات الحكم الدولي التي أوصلت إيران – على مدى عقود – إلى وضعها الحالي الهش. ويجادل نصر، الباحث المخضرم في شؤون إيران والشرق الأوسط، إنّ الرؤية الاستراتيجية للنظام لا تنبع من نية ثورية لنشر الفكر الإسلامي، بل من مفهوم الأمن القومي المتجذّر في التنافسات الإقليمية، تجربة إيران التاريخية، والتيّارات المعادية للامبريالية والاستعمار في أواخر القرن العشرين.
ويكتب نصر: “لا يزال الإسلام لغة السياسة الإيرانية”، واصفًا الأسس الدينية للدولة كوسيلة لإيران “لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية في الداخل، وتحديد مصالحها الوطنية في الخارج”. لكنه يضيف أنّ “هذه الأهداف أصبحت الآن ذات طابع علماني”.
استنادًا إلى رصد نصر الدقيق للمصادر الإيرانية التي غالبًا ما يتم تجاهلها، يأتي هذا الكتاب المفيد والغني بالمعلومات في نقطة تحوّلٍ محتملة للجمهورية الإسلامية. مع إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إحياء حملة “الضغط الأقصى” التي شنّتها إدارته الأولى، يواجه القائد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي – البالغ من العمر 85 عامًا – معضلة: إما الاستسلام لواشنطن – الأمر الذي من شأنه أن يؤدّي إلى تخفيف العقوبات ولكنّه يتطلّب اتفاقًا نوويًا أكثر تقييدًا بكثير وتقليصًا جذريًا للسياسة الخارجية الإيرانية الحازمة – أو السعي للحصول على سلاح نووي، مما يستدعي ضربات استباقية – وهذه المرة يمكن أن تكون كارثية – من إسرائيل والولايات المتحدة.
في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أكد أحد كبار مستشاري خامنئي أنه إذا هاجمت إسرائيل المواقع النووية الإيرانية، فقد يعيد القائد الأعلى النظر في مراسيمه السابقة التي تحظر تطوير واستخدام أسلحة الدمار الشامل. وفي محاولتنا لفهم كيفية رد فعل إيران، سيكون من المهم بنفس القدر بالنسبة للغرب أن يتخلّى عن الطرق القديمة في النظر إلى النظام في طهران، وأن يحدّد المصادر الحقيقية لسلوكه ورؤيته، والتي يكمن الكثير منها في الماضي.
عقدة كربلاء
في عام 2001، أكد الحرس الثوري الإسلامي الإيراني – وهي قوات النخبة – أنّ حرب السنوات الثماني التي خاضتها البلاد ضد العراق بقيادة صدام حسين في ثمانينيات القرن الماضي ستؤثّر على “كل قضايا السياسة الداخلية والخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية على مدى العقود القليلة المقبلة على الأقل”، وهو رأي أيّده خامنئي مرارًا وتكرارًا، بما في ذلك في عام 2022.
لطالما قلّل المحللون الغربيون من أهمية الحرب الإيرانية – العراقية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنها انتهت إلى طريق مسدود، وجزئيًا إلى أنّ الولايات المتحدة والعديد من حلفائها، بعد دعمهم لدكتاتورية صدام البعثية، قاموا بتغيير موقفهم بشكل محرج وأطاحوا به بعد 15 عامًا. من جانبهم، لا ترى شخصيّاتالمعارضة الإيرانية المنفية أي فائدة في الإشادة بالتحدّي البطولي للجمهورية الإسلامية في وجه جارها المستبد.
يُعيد نصر الحرب إلى مكانتها الحقيقية كحدثٍ فارقٍ في تاريخ إيران ما بعد الثورة، ويجادل إنّ هذا الصراع المُروّع، المُطوّل، والمُستنزِف – الذي قُتِل فيه ما يصل إلى مليون شخص من كلا الجانبين – قد ولّد ثقافةً استراتيجيةً وجّهت سلوك إيران على مدار مُعظم العقود الثلاثة والنصف اللاحقة، بما في ذلك في العصر الحالي.
ويصف نصر تلك الثقافة بأنها مُتجذّرة في رؤيةٍ تمزج بين “مخاوف التطويق والطموح المُفرط” – وهو مزيجٌ دفع طهران إلى استخدام قواتٍ بالوكالة وعملاء في جميع أنحاء الشرق الأوسط – بالإضافة إلى وسائل غير مُتكافئة، لإلحاق الأذى بأعداءٍ أفضل تسليحًا، مثل إسرائيل والولايات المتحدة.
بالنسبة لصدام، مثّلت الثورة الإيرانية عام 1979 فرصةً له. وبعد أن شاهد الزعيم العراقي الإطاحة بالشاه الإيراني المدعوم من الولايات المتحدة، محمد رضا بهلوي، والأزمة الدبلوماسية التي اندلعت عندما اجتاح أتباع الزعيم الجديد للبلاد – آية الله روح الله الخميني – السفارة الأميركية في طهران واحتجاز أكثر من 50 أميركيًا كرهائن، رأى الزعيم العراقي فرصة للاستيلاء على الأراضي، وتحرير الأقلّية العربية في إيران من النير الفارسي، وخنق النظام الديني الناشئ الذي كان يحث الشيعة في العراق على الإطاحة بحكومته التي يهيمن عليها السنّة.
برأي خامنئي ما يهم هو الأمد البعيد
لكنّ الغزو الذي شنه صدام في أيلول/ سبتمبر 1980 كان له أثر غير مقصود، وهو تقوية النظام الديني الجديد في إيران. لم يستغرق الإيرانيون سوى أقل من عامين لاستعادة الأراضي التي فقدوها في الهجوم العراقي الأولي، وطردِ العدو عبر شط العرب، الحدود النهرية بين البلدين. عند هذه النقطة، كان الخميني قد شرع في حملة تطهير لليبراليين واليساريين؛ واستبدل الجيش الذي ورثه من الشاه بقوة عسكرية جديدة، هي الحرس الثوري الإسلامي؛ وازدرى بشكل متساوٍ – وبطريقة مُلهمة لملايين المسلمين في جميع أنحاء العالم الإسلامي – كلًّا من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. عندما سأل صحفي باكستاني آية الله عن فوائد الثورة، أجاب: “الآن تُتّخذ جميع القرارات في طهران”.
خوفًا من أن تنتقل عدوى تطرّف الخميني، التفَّ الغرب والكتلة السوفياتية ومعظم العالم العربي حول صدام حسين. باعت له فرنسا طائرات ميراج المقاتلة، وزوّدته إدارة ريغان بمعلومات استخباراتية أميركية، وزوّده السوفيات بالدبابات والصواريخ. ومن السعودية، حصل على مليارات الدولارات من القروض والتمويل لقوّاته. ونظرًا لخضوعها لحظر دولي شبه محكم على الأسلحة، اضطرّت إيران إلى الاعتماد بشكل أساسي على الاكتفاء الذاتي والحماس الديني والوطنية.
من خلال مقابلاتي مع قدامى المحاربين في إيران قبل عقدين من الزمن، أدركتُ مدى قوة هذا الحماس. سمعتُ أنّ قوات الباسيج التطوّعية تضع معطّرات ما بعد الحلاقة قبل أي مهمة استشهادية لتكون الرائحة طيبة أمام الخالق. كانت الشابّات يخترن عمدًا أزواجًا من بين الجنود الذين تسمّموا تسمّمًا قاتلًا بالأسلحة الكيميائية العراقية، التي طُوّرت بمساعدة مواد وسلائف ثنائية الاستخدام وفّرتها شركات في ألمانيا، المملكة المتحدة والولايات المتحدة. كان المقاتلون السابقون الذين تحدثتُ معهم في مدينة أصفهان وسط إيران يقطعون جملهم أحيانًا، يسعلون بصوت خافت، وجوههم حمراء وصدورهم تضيق، إذ دمّرهم الغاز الذي استنشقوه قبل أكثر من عقد من الزمان ببطء.
في صيف عام 1982، تحوّل ما أسماه النظام “الدفاع المقدس” إلى حملة هجومية عندما عبرت القوات الإيرانية شط العرب. في النهاية، كلّف ما يقارب عقدًا من الحرب ضد عدوٍّ أفضل تجهيزًا بكثير إيران ما يصل إلى نصف مليون شخص، حتى مع فشل القوات الإيرانية في الإطاحة بصدام حسين أو السيطرة على أي أرض عراقية بشكل دائم.
وأكدت القيادة الإيرانية أنّ الأهداف الجديدة للحرب كانت القضاء على إسرائيل وإلهام شعوب دول الخليج ذات الأغلبية السنية للثورة على حكّامها المدعومين من الغرب. وكان الشعار الشائع بين المتطوّعين الإيرانيين: “الطريق إلى القدس يمرّ عبر كربلاء”، المدينة العراقية المركزية التي تضمّ أضرحة شيعية مقدّسة.
مرّت إيران عبر لبنان، حيث خاض حزب الله، المجموعة الشيعية التي أسّستها إيران عام 1982، معارك ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي، وشنّت هجمات ضخمة ضد القوات الأميركية والفرنسية. ومرّت عبر مكة، حيث قمعت السلطات السعودية مظاهرة للحجاج الإيرانيين عام 1987. وقُتل نحو 400 شخص في الاشتباك، من بينهم أكثر من 200 حاج إيراني. وردّ رئيس البرلمان الإيراني آنذاك أكبر هاشمي رفسنجاني وأقرب المقرّبين من الخميني بدعوة المؤمنين إلى “اقتلاع حكام السعودية” و”سحب الثروات الطائلة والثمينة التي يملكها العالم الإسلامي… من قبضة المجرمين”.
وبعد فترة طويلة من انتهاء الأعمال العدائية رسميًا بين إيران والعراق، مرّ الطريق إلى القدس عبر بوينس آيرس، حيث اتهمت السلطات الأرجنتينية والمحقّقون الدوليون إيران بتدبير تفجيرات السفارة الإسرائيلية عام 1992 ومركز ثقافي يهودي بعد ذلك بعامين.
في تموز/ يوليو 1988، أسقطت سفينة حربية أميركية طائرة ركاب إيرانية – الرحلة 655 – فوق الخليج، مما أسفر عن مقتل جميع ركابها البالغ عددهم 290 شخصًا. زعمت الولايات المتحدة، التي كانت تحاول احتواء القوة الجوية الإيرانية، إنها أخطأت في تحديد هوية الطائرة وظنّتها طائرة حربية من طراز إف -14 توم كات. (أعرب الرئيس رونالد ريغان عن أسفه لهذا الخطأ، وإن لم يقدّم اعتذارًا).
كسر إسقاط الطائرة الرحلة 655 عزيمة الخميني. شبّه قبوله اللاحق لوقف إطلاق النار بوساطة الأمم المتحدة بتجرّع السم. تُوُفِّيَ الخميني عام 1989 وخلفه تلميذه خامنئي، الذي، على حد تعبير نصر، “يُهيمن على السياسة الإيرانية” منذ ذلك الحين.
اشتهر خامنئي بمثابرته ومكره، وهو أيضًا رجل ذو قناعة راسخة، وكراهيته للولايات المتحدة محسوسة بعمق. ينقل نصر عنه قوله في أحد اجتماعات مجلس الأمن القومي الإيراني: “الولايات المتحدة مثل الكلب؛ إذا تراجعت، فسوف تنقضُّ عليك، ولكن إذا انقضضتَ عليها، فسوف ترتدع وتتراجع”.
من قرار الرئيس جيمي كارتر بالسماح للشاه بدخول الولايات المتحدة بعد الإطاحة به في عام 1979 – وهو الحدث الذي أدى إلى الاستيلاء على السفارة الأميركية – إلى إدراج الرئيس جورج دبليو بوش لإيران في خطابه “محور الشر” عام 2002، إلى انسحاب ترامب الأحادي الجانب عام 2018 من الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع القوى العالمية وفرضه مئات العقوبات الجديدة، يمكن للقائد الأعلى أن يستعين بالكثير من الأدلّة لدعم ادعائه عن سعي الولايات المتحدة منذ فترة طويلة إلى تغيير النظام في إيران.
متاهة سليماني
مع حلول السنوات الأولى من هذا القرن، لاقت آفاق السلام وتدفّق الاستثمارات الأميركية استحسانًا كبيرًا لدى السياسيين الإيرانيين الأكثر براغماتية، ولا سيما رفسنجاني، الذي شغل منصب الرئيس في التسعينيات، والذي شاع، مع أنصاره من المؤسسة الدينية، أنه سعى إلى “صفقة كبرى” مع “الشيطان الأكبر” – الولايات المتحدة.
خلَفَهُ محمد خاتمي، المعتدل الذي سعى صراحةً إلى تحسين العلاقات مع واشنطن. واستنادًا إلى مقابلاته مع خاتمي، يفيد نصر بأنه عندما أطلع خاتمي خامنئي في عام 2003 على رسالة كان قد صاغها لبوش يعرض فيها حل جميع الخلافات العالقة مع الولايات المتحدة، نصحه القائد الأعلى بعدم إرسالها. وحذّر خامنئي قائلًا: “ستخذلك الولايات المتحدة وستعتبر الرسالة ضعفًا”. أرسل خاتمي الرسالة على أي حال، لكن بوش لم يرد، واضطرّ الرئيس الإيراني إلى الاعتراف بأن القائد الأعلى كان على حق.
من وجهة نظر خامنئي، ما يهم هو المدى البعيد. فالسعي وراء المُثُل العليا أهم من تحقيقها، فالنكسات دائمًا ما تكون مؤقّتة، وقد يستغرق تحقيق النصر أجيالًا. ورغم تكلفتها الباهظة وعدم حسمها، علّمت الحرب العراقية – الإيرانية إيران كيفية الالتفاف على العقوبات الغربية باستخدام شركات وهمية ووسطاء، كما منحت الحرب الحرس الثوري الإيراني ميلًا نحو المشاريع الخاصة، مُتوقّعًا بذاك الهيمنة الاقتصادية، لاسيّما في قطاعَيْ الطاقة والبنية التحتية، التي تتمتّع بها الشركات المرتبطة بالحرس الثوري اليوم. كما منحت النظام – أو على الأقل أكثر أجزائه التزامًا وأيديولوجية – ثقةً في قدرته على الصمود وفي قدرة إيران على التعافي من النكسات.
ولعلّ الأهم من ذلك كله هو أنّ الحرب حوّلت إيران إلى دولة ذات سيادة تكنولوجية كاملة، قادرة على تصنيع القنابل المتطوّرة التي تُزرع على جوانب الطرق والتي استخدمتها الجماعات الشيعية المدعومة من إيران لقتل مئات الجنود الأميركيين عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، والطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران على إسرائيل في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وبالطبع، أجهزة الطرد المركزي الدوّارة التي دفعت الجمهورية الإسلامية – في مواجهة المعارضة الدولية – إلى حافة الدولة النووية.
كما ألهم هجوم صدام على إيران عقيدة طهران الاستراتيجية المتمثلة في “الدفاع الأمامي”، والتي تبنّتها رسميًا عام 2003. إنّ ما يراه خصوم إيران عدوانًا يزرع الفوضى من خلال الطائفية والحيل القذرة، هو، من وجهة نظر النظام، محاولة دفاعية لتحييد التهديدات قبل أن تصل إلى حدود البلاد.
عزّزت الجمهورية الإسلامية نفوذ حلفائها الشيعة في العراق على حساب الفصائل السنية (بما في ذلك تنظيم الدولة الإسلامية، أو داعش)، وأخضعت الجسم السياسي اللبناني لحزب الله، وأرسلت آلافًا من مقاتلي الحرس الثوري الإيراني والمقاتلين الأجانب – معظمهم من الشيعة الأفغان – لمساعدة الأسد في قتال المتمردين الذين سعوا إلى الإطاحة به في سوريا. وطوال معظم العقد الثاني من هذا القرن، أشرف على هذه الجهود الرجل الذي أصبح رائد الدفاع المتقدم: الجنرال الإيراني قاسم سليماني.
الإيرانيون حريصون بشدة على حماية بلادهم
في أوائل العشرينيات من عمره، مع بداية الحرب العراقية الإيرانية، انضمّ سليماني إلى الحرس الثوري الإيراني وقام بأعمال عسكرية داخل العراق. ترقّى بسرعة، وفي عام 1998، تولى قيادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني – فيلق “القدس”. كما أنه لم يكن مُنظّرًا مُتصلّبًا، وفي أعقاب هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، زوّد الولايات المتحدة بمعلومات استخباراتية ساعدتها في الإطاحة بعدوّهم المشترك في أفغانستان، طالبان. لكنّ سليماني لم يكن لديه أي أوهام بشأن أي “صفقة كبرى”.
شبّه علاقة واشنطن بإيران بعلاقة “الذئب والخروف”، كما لم يُعجبه مستوى القوات السورية التي اضطر للعمل معها عند توجيه التدخل العسكري الإيراني في ذلك البلد، حيث اعتبر أنّ “الجيش السوري عديم الفائدة”! كما قال لسياسي عراقي، وفقً لملف سليماني الذي نشرته مجلّة “نيويوركر” في عام 2013: “أعطوني لواء واحدًا من الباسيج ويمكنني غزو البلاد بأكملها”.
بغض النظر عن ذلك، كانت إنجازات سليماني كبيرة. ففي عام 2015، أقنع شخصيًا كلًا من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم حزب الله، حسن نصر الله، بالتدخل في الصراع السوري، مما سمح لنظام الأسد بالبقاء على قيد الحياة لما يقرب من عقد من الزمان. وفي العام نفسه، دبّر أيضًا استعادة القوات العراقية وقوات الحرس الثوري الإيراني مدينة تكريت العراقية المهمة من تنظيم الدولة الإسلامية. لقد جمع بين شجاعة المصارع، مكر رئيس المخابرات وغطرسة نائب الملك.
وصف مسؤول عراقي كبير سابق سليماني بأنه “استراتيجي ماهر وذكي بشكل مخيف”. وفي أحد الاقتباسات العديدة الكاشفة التي يستخدمها نصر، أفاد بأنّ سليماني قال لخامنئي: “لقد وضعنا الحبة في فم الأسد، ولكن بمجرّد أن أدرنا وجوهنا، يبصق الحبة”.
للحفاظ على روح الحرب العراقية – الإيرانية، بنت الجمهورية الإسلامية متاحف “الدفاع المقدس” في جميع أنحاء البلاد، وسعت إلى تعزيز قيم الحماس والتضحية بالنفس التي كانت محورية في تلك الحقبة، من خلال الأفلام وألعاب الفيديو والموسيقى الشعبية. لكنّ هذه الجهود باءت بالفشل إلى حد كبير. 60٪ من الإيرانيين الذين تقلُّ أعمارهم عن 30 عامًا ليس لديهم أي ذكرى للقتال. كثير منهم، في مواجهة العزلة الاقتصادية وتآكل الآفاق في الداخل، يشعرون بالغضب من أنّ النظام يحوّل مليارات الدولارات إلى “محور المقاومة”، وهو شبكة وكلائه وشركائه. كلما عانت إيران من إحدى نوبات الاضطرابات الدورية، كما حدث في نهاية عام 2022 بعد وفاة شابة إيرانية تُدعى مهسا أميني في مركز شرطة، ينتقد المتظاهرون تورّط إيران في الخارج.
أظهر مقطع فيديو انتشر مؤخّرًا على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية مدرسة إيرانية للبنين كان مديرها يصرخ “الموت لإسرائيل”! فردّ عليه تلاميذه بمرح: “الموت لفلسطين”!
عام 2022، أعرب مير حسين موسوي، الذي كان رئيسًا للوزراء في الثمانينيات ولكنّه انقلب على خامنئي في عام 2009 بعد انتخابات متنازع عليها، والذي ظلَّ قيد الإقامة الجبرية منذ ذلك الحين، عن أسفه لأنّ الجمهورية الإسلامية تدعم “نظام الأسد القاتل للأطفال” وتثير العنف في جميع أنحاء المنطقة. وكدليل على ما أسماه “شر هذا المسار الخاطئ”، استشهد بـ”ملايين اللاجئين ومئات الآلاف من القتلى في سوريا، وتشويه سمعة حزب الله، والحروب الطائفية والعرقية في اليمن، واستعداد الدول العربية للتعاون مع إسرائيل لمواجهة “الهلال الشيعي”.
العقدة النووية
في ضوء زلّات إيران الأخيرة والضربات الموجعة التي وجهتها إسرائيل لهيبتها الإقليمية، من المغري اعتبار اغتيال سليماني عام 2020 بطائرة أميركية مسيّرة ضربةً قاضيةً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أذن بها قرب نهاية ولايته الأولى.
لو كان سليماني لا يزال على قيد الحياة وقادرًا على التأثير في الأحداث، لكان من غير المرجّح أن يشنّ حزب الله هجومه غير المدروس على إسرائيل بعد هجوم “حماس” في 7 تشرين الأول/ أكتوبر – وهو قرارٌ أدى إلى ردٍّ إسرائيليٍّ غاضبٍ لم يُسفر عن مقتل نصر الله والعديد من كبار قادته فحسب، بل عطّل أيضًا تدفّق الأسلحة والأموال الذي كان يتلقّاها الحزب من إيران. ولعلّ إيران ما كانت لتسمح للأسد بالسقوط بسهولة في كانون الأول/ ديسمر الماضي، وهو ما كان بمثابة ضربةٍ ساحقةٍ لخامنئي، فقد وصف قائدٌ كبيرٌ في الحرس الثوري الإيراني سوريا ذات مرةٍ بأنها “مفتاح المنطقة”، وتابع: “نخسره بخسارة سوريا يتجاوز ما نخاطر به في العراق ولبنان واليمن”.
لا سبيل مباشرًا لإيران للتعافي من انتكاسات العام الماضي. يكتب نصر: “اليوم، حتى لو اختارت الجمهورية الإسلامية التخلّي عن الدفاع الأمامي، فلن يكون ذلك سهلًا”. وكان ذلك قبل سقوط الأسد في كانون الثاني/ ديسمبر. تُفاقِمُ المعضلة النووية من توتر موقف طهران، إذ قد تدفعها إلى مواجهة ضارية مع إدارة ترامب. وعلى عكس السنوات التي أعقبت الحرب الإيرانية العراقية، عندما كانت إيران تتمتع بقيادة شابة نسبيًا، أصبح خامنئي وحاشيته من كبار السن، ويتزايد نفاد صبر الجيل الجديد على حكم رجال الدين.
لكن قد لا تكون تلك هي النهاية بعد. فرغم إرهاق الجمهورية الإسلامية وهشاشتها، واستعداد ملايين الإيرانيين للنزول إلى الشوارع للتعبير عن استيائهم منها، فإنّ الشعب يدافع بشراسة عن بلده، وتميل الهجمات الخارجية إلى توحيد صفوفه، ويزيد ذلك من غموض مسألة الخلافة الإيرانية.
ويبدو أنّ الخيار المفضّل لدى خامنئي لخلافته في منصب القائد الأعلى هو ابنه الثاني، مجتبى، البالغ من العمر 56 عامًا، والذي يصفه نصر بأنه “مستشاره الرئيسي”. في مقابلة حديثة، أشار عباس باليزدار، وهو أحد المقرّبين من مجتبى، إلى الفساد المستشري في “الدوائر الحاكمة” في الجمهورية الإسلامية، وأعرب عن ثقته بأنه في حال تولّى مجتبى السلطة من والده، فإنه لن “يكسر رقاب الفاسدين” فحسب، بل سيعزّز الحريات الاجتماعية ويطلق سراح السجناء السياسيين. وهذا من شأنه أن يضعه في نفس فئة الإصلاحيين والمجدّدين مثل ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان. ومع ذلك، أمضى مجتبى الحرب العراقية – الإيرانية يخدم في كتيبة تابعة للحرس الثوري الإيراني، عُرفت بنقاء أيديولوجيتها.
ووفقًا لنصر، فإنه يرغب في “إدامة استراتيجيات المقاومة والدفاع الأمامي التي وُلدت خلال الحرب”، كما أنه لم يُبدِ أي علامة على أنه أقل التزامًا بالبرنامج النووي من والده. إذا أصبح مجتبى بالفعل قائدًا أعلى، فلن تقترب الجمهورية الإسلامية من التحول إلى ملكية وراثية فحسب، بل قد يستعيد الدفاع الأمامي زخمه.

