عراقتشي في “لو بوان” الفرنسية: إيران مستعدّة لقلب الصفحة مع أوروبا
يعبّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي عن رغبة بلاده الكبيرة بقلب صفحة الماضي مع أوروبا. وفي مقال له في صحيفة "لو بوان" الفرنسية، يذكّر عراقتشي بأنّ الدول الأوروبية اختارت الخضوع للعقوبات الأميركية على إيران بدل المحافظة على الاتفاق النووي جرّاء انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب منه بشكل أحادي عام 2018، ويلاحظ أنها تمارس حاليًا دور المراقب السلبي.
في ما يلي ترجمة المقال كاملًا من “الجادة”:
بعد مرور قرن من الزمان على قيام بريطانيا وفرنسا برسم الحدود الحديثة للشرق الأوسط، تجد أوروبا نفسها غائبة بشكل متزايد عن المستقبل الدبلوماسي للمنطقة.
خلال المناقشات الحاسمة ــ بما في ذلك المفاوضات غير المباشرة الجارية بين إيران والولايات المتحدة ــ غالبًا ما يلعب الدبلوماسيون الأوروبيون دور المراقب السلبي فقط.
لقد أصبح الماضي الاستعماري وراءنا الآن، ولكنّ الجمود الحالي الذي تعاني منه أوروبا، والذي نتج عن خياراتها الاستراتيجية الخاصة، يضرُّ بجميع الأطراف.
عندما انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من جانب واحد من خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 ــ الاتفاق النووي الذي وقّعته إيران وست قوى كبرى، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا وألمانيا ــ كانت اللحظة تستدعي الحزم الأوروبي.
وأعلن وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي آنذاك، برونو لومير، إنّ أوروبا لن تكون “تابعة” لواشنطن. لكن في الواقع، لم ترتقِ مجموعة الدول الأوروبية الثلاث (المملكة المتحدة، فرنسا وألمانيا) إلى مستوى التوقعات. ولم تتحقّق الفوائد الاقتصادية الموعودة بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، لأنّ الشركات الأوروبية فضلت الامتثال للعقوبات الأميركية بدلًا من احترام التزامات حكوماتها.
تكرُّر نفس نمط التردد الاستراتيجي
اليوم يتكرّر نفس النمط من التردد الاستراتيجي، في مكان أقرب إلى الوطن، حيث تتعامل واشنطن مع موسكو مع القليل من الاهتمام بالعواصم الأوروبية. وهذا واضح بشكل خاص في النهج الذي اتبعته مجموعة الثلاث الأوروبية مؤخّرًا تجاه آلية “العودة السريعة” في خطة العمل الشاملة المشتركة (آلية إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة قبل انتهاء صلاحية الاتفاق) – والتي صُمِّمَت في البداية كأداة أخيرة لحل النزاعات، وتُستخدم الآن كوسيلة ضغط دبلوماسية.
إنّ هذه الاستراتيجية القائمة على المواجهة قد تؤدي إلى إثارة أزمة عالمية في مجال الانتشار النووي، والتي من شأنها أن تؤثّر في المقام الأول على الأوروبيين أنفسهم.
لقد أوضحت إيران موقفها بوضوح. لقد حذّرنا رسميًا جميع الموقعين على خطة العمل الشاملة المشتركة من أنّ إساءة استخدام آلية إعادة فرض العقوبات سيؤدي إلى عواقب، ليس فقط نهاية دور أوروبا في الاتفاق، ولكن أيضًا تصعيد التوترات التي قد تصبح لا رجعة فيها.
يتعيّن على مجموعة الدول الأوروبية الثلاث أن تسأل نفسها كيف وصلت إلى هذا الطريق المسدود. وفي ظل الإدارة الأميركية السابقة، لعبت مجموعة الثلاث دورًا رئيسيًا كوسيط بين طهران وواشنطن، وشاركت إيران بشكل بنّاء. ولكن مع تراجع الإرادة السياسية في واشنطن، بدأ الأوروبيون يتخلّون تدريجيًا عن جهودهم.
وبدلًا من إعادة تعديل استراتيجيتهم، تبنّوا موقفًا مواجهة، مستشهدين بحقوق الإنسان أو العلاقات المشروعة بين إيران وروسيا كذريعة للمسافة الدبلوماسية.
ونتيجة لذلك، أصبحت إيران الآن خاضعة لعقوبات أشدّ من تلك المفروضة على بعض الكيانات التي صنّفها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رسميًا على أنها إرهابية.
ولم يقتصر الأمر على تدهور العلاقات بين الدول بسبب هذا النهج فحسب، بل كانت له أيضًا عواقب إنسانية حقيقية. على سبيل المثال، أدى الحظر الذي فرضه الاتحاد الأوروبي العام الماضي على شركة الطيران الوطنية الإيرانية “إيران إير” – استنادًا إلى مزاعم تصدير الصواريخ التي أنكرها كبار المسؤولين الأوكرانيين في وقت لاحق – إلى تقييد الوصول إلى الأدوية المنقذة للحياة بشدة، بما في ذلك علاجات السرطان.
المعايير المزدوجة للغرب
ومما هو مذهل التناقض مع الفترات السابقة. في عام 2003، بعد الزلزال المدمّر الذي ضرب مدينة بام الإيرانية، سارعت فرنسا إلى إرسال مستشفى ميداني. ولكن في نيسان/ أبريل الماضي، عندما اجتاح حريق هائل ميناء بندر عباس الإيراني ــ مما هدّد بتعطيل الاقتصادات من آسيا الوسطى إلى القوقاز ــ كانت روسيا وحدها هي التي عرضت المساعدة الفورية. ولم تأتِ مواساة الاتحاد الأوروبي إلا بعد أسبوع واحد، أي بعد فترة طويلة من السيطرة على الأزمة.
إنّ علاقاتنا متوتّرة في الوقت الذي يشاهد فيه العالم الكارثتين المتزامنتين في غزة وأوكرانيا، اللتين تكشفان عن المعايير المزدوجة للغرب. ويلاحظ الإيرانيون، مثل غيرهم، هذا الغضب الانتقائي ويتساءلون: أين الاتساق؟
ومع ذلك، وعلى الرغم من التوترات، فإنّ التاريخ بين إيران وأوروبا يظلُّ غنيًا. لقد أثبتت العلاقات الثقافية والأكاديمية والاقتصادية في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والسيارات والتعاون البيئي أنها مثمرة منذ فترة طويلة. وعلى الصعيد الدبلوماسي، مكّنت المشاركة الأوروبية من تحقيق تعاون كبير في قضايا تتراوح من أفغانستان إلى شرق البحر الأبيض المتوسط.
وإدراكًا مني لهذا التاريخ، فقد وجهت دعوات عدة لاستئناف حوار جدّي. في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في الخريف الماضي، اقترحت التعاون، ليس فقط في القضية النووية، بل في كامل نطاق الاهتمامات المشتركة، بما في ذلك أوكرانيا. ظلّت هذه المقترحات من دون إجابة. ومع ذلك، فإنني أظلُّ ملتزمًا بالدبلوماسية.
لحظة حاسمة ستحدد مستقبل العلاقات بين إيران وأوروبا
وفي أعقاب المشاورات الأخيرة في روسيا والصين، أعربتُ عن استعدادي للسفر إلى باريس وبرلين ولندن لبدء فصل جديد. وقد أدّت هذه المبادرة إلى إجراء مناقشات أولية على مستوى نواب وزراء الخارجية، وهي بداية هشة ولكنها واعدة. ولكن الوقت ينفد.
إنّ كيفية ردِّنا في هذه اللحظة الحاسمة سوف تحدّد مستقبل العلاقات بين إيران وأوروبا بشكل أعمق بكثير مما يتصوره الكثيرون. إيران مستعدة لقلب الصفحة. ونأمل أن يكون شركاؤنا الأوروبيون كذلك.

