الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة9 مايو 2025 01:09
للمشاركة:

منشأة سمنان النووية السرية.. هل تدفع واشنطن نحو المواجهة مع طهران؟ 

في عمق صحراء محافظة سمنان الإيرانية، وبعيدًا عن أعين المفتشين وعن تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تكمن منشأة تعرّفها طهران باسم رينبو (قوس قزح).

لا يظهر هذا الاسم في أي من التقارير الرسمية أو وثائق المفاوضات، لكنه ظهر فجأة، الخميس، على شاشات شبكة فوكس نيوز الأميركية، التي ادعت أن صور الأقمار الصناعية كشفت موقعًا يمتد على مساحة 2500 فدان، يعمل منذ أكثر من عقد لاستخراج التريتيوم، ذلك النظير الذي لا يُستعمل إلا في صناعة القنابل النووية المتقدمة.

 
صور الأقمار الصناعية هذه، دعمتها القناة أيضًا بشهادة من منظمة مجاهدي خلق، التي أكد أن المنشأة تُدار عبر شركة كيميائية اسمها “ديبا إينرجي سيبا”.

 
بالنسبة للمراقبين، لم يكن الكشف مفاجئًا فقط بحجمه، بل بتوقيته أيضًا. إذ تتهيأ واشنطن وطهران حسب توقعات إعلامية لعقد الجولة الرابعة من المفاوضات النووية بعد تعثر إتمامها في موعدها الأسبوع الماضي. كما أن ظهور هكذا تطور بالتزامن مع دخول الطرفين الأميركي والإيراني في مسار التفاوض بعد شهور من الجمود يجعله لافتًا، لا سيما إذا قُرئ في سياق الضغوط المتزايدة من الأطراف الإقليمية، خاصة إسرائيل.
 
عملية البحث عن إسرائيل
 
لمن يعرفون تاريخ البرنامج النووي الإيراني، استحضار اسم مجاهدي خلق يكاد يكون بديهيًا في كل كشف كهذا. فالجماعة التي تصف نفسها بالمعارضة في المنفى، كانت أول من أخرج إلى العلن في آب/ أغسطس 2002 أسرار منشأتي نطنز وآراك. لكن ما تبيّن لاحقًا، هو أن تلك المعلومات لم تكن لتصل إلى مجاهدي خلق لولا تمريرها من تل أبيب.
 
بهذا المعنى، فإن كل كشف جديد يحمل سؤالًا أوسع: ما الذي تريده إسرائيل الآن من وراء هذه التسريبات؟ ولماذا الآن؟
 
لطالما بدت العلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو متينة، بل أقرب إلى تحالف شخصي. لكن خلف الكواليس، تشققت هذه الصورة. بحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي، أبلغ مقربون من ترامب وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر بأن الرئيس الأميركي قطع الاتصال مع نتنياهو، متهمًا إياه بمحاولة التلاعب به — وهي تهمة لا يغفرها ترامب بسهولة.
 
صحيفة يسرائيل هيوم، المقربة من أوساط اليمين الإسرائيلي، ذهبت أبعد من ذلك، إذ قالت إن ترامب بدأ باتخاذ قرارات بشأن الشرق الأوسط من دون التنسيق مع إسرائيل.
 
في مثل هذا المناخ، تصبح كل معلومة مسرّبة ذات معنى. هل تسعى تل أبيب للضغط على واشنطن كي لا تذهب بعيدًا في محاولات التقارب مع طهران؟ أم أنها تهيئ الأرضية لضربة استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية، بحجة أن المفاوضات لم تعد مجدية؟
 
بالنسبة لإيران، فإن الموقف واضح: كل هذه التقارير ليست إلا جزءًا من حملة دعائية، الهدف منها هو عرقلة المفاوضات وإطالة أمد العقوبات. حيث ربط وزير الخارجية عباس عراقجي توقيتها بالمسار التفاوضي، ملقيًا المسؤولية على نتنياهو الذي اعتبر أنه مخرب يحاول أن يملي على ترامب ما يفعله.

على المقلب الأخر في واشنطن، لا يبدو الموقف واضحًا. الإدارة الأميركية ممزقة بين رغبتها في تحقيق اختراق سياسي يصب في اتجاه ترتيب الأوضاع الداخلية طبق ما يعد به ترامب قواعده ومؤيديه، وبين ضغوط حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم إسرائيل.
 
في هذه اللحظة، كل الخيارات مطروحة، لكن المشكلة لدى طهران أن أحلى تلك الخيارات مرّ. فالعودة إلى طاولة الحوار سترافقها شروط أكثر قسوة، والانسحاب الكامل من المسار التفاوضي يعني عقوبات مستمرة وأزمة اقتصادية تتفاقم يومًا بعد آخر، أو الدخول في مواجهة مفتوحة قد تغير ملامح المنطقة لعقود قادمة. خصوصا بعد فقدانها الكثير من نقاط قوتها خلال الأشهر الماضية.
 
في النهاية، الملف النووي الإيراني لم يكن يومًا مجرد ملف تقني أو تفاوضي؛ إنه دائمًا مرآة للصراعات الأكبر، للصفقات في الظل، وللرسائل التي تمررها الأطراف عبر طرق مختلفة.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: