ترامب يشعل الخليج: “العربي” بدلًا من “الفارسي” وصدمة في طهران
في خطوة من المتوقّع أن تثير جدلًا سياسيًا واسعًا وتوتّرات إقليمية، كشفت مصادر أميركية حسب مطلعة أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستعد للإعلان رسميًا عن اعتماد بلاده لتسمية "الخليج العربي" بدلاً من "الخليج الفارسي"، وذلك خلال جولته الإقليمية المرتقبة إلى الشرق الأوسط، والتي ستشمل كلًا من السعودية وقطر والإمارات بين 13 و16 أيار/ مايو الجاري.
ويُعيد هذا التحرّك إلى الأذهان سلسلة من القرارات الرمزية التي اتخذها ترامب في فترات سابقة، أبرزها ما حدث في كانون الثاني. يناير 2017، عندما أمر بتغيير اسم “خليج المكسيك” إلى “الخليج الأميركي” ضمن محاولاته لتعزيز شعار “أميركا أولًا”.
ونقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن مسؤولين أميركيين بارزين – طلبا عدم الكشف عن هويتهما – أنّ تقريرًا داخليًا قد أُعدّ مؤخّرًا عن هذا التغيير، مشيرَين إلى أنّ التوقيت يرتبط باتصالات متقدمة بين واشنطن وطهران لإحياء الاتفاق النووي الإيراني، بالإضافة إلى ضغوط مستمرّة من دول خليجية لتبنّي التسمية العربية للمسطّح المائي الذي يفصل شبه الجزيرة العربية عن الساحل الإيراني.
وعلى الرغم من أن اسم “الخليج الفارسي” مستخدم تاريخيًا منذ القرن السادس عشر في الأدبيات الغربية والخرائط الرسمية، فإنّ العالم العربي تعتمد منذ عقود تسمية “الخليج العربي”، مما يعكس البعد السياسي لهذا الخلاف.
وبحسب الدستور الأميركي، يملك الرئيس صلاحية إصدار توجيهات بشأن الأسماء المستخدمة في الوثائق الرسمية، مما يعني أن القرار – إن تم – لن يُغيّر الوضع على المستوى الدولي، لكنّه يمنح التسمية العربية طابعًا رسميًا داخل الولايات المتحدة.
ورغم أنه ألمح إلى “إعلان كبير” خلال لقائه الأخير برئيس الوزراء الكندي، لم يصرّح ترامب بشكل واضح عن نيّته تغيير التسمية، غير أنّ مصادر مقرّبة أكدت أنّ الإعلان بات وشيكًا، ويرتبط أيضًا بسياقات سياسية أشمل، أبرزها الحرب الدائرة في قطاع غزة، والتي دخلت عامها الثاني، في ظل تهديدات إسرائيلية بإعادة احتلال القطاع وتهجير سكانه.
ردود الفعل الإيرانية: من الصمت الحذر إلى الغضب المتصاعد
حتى صباح الأربعاء 7 أيار/ مايو 2025، لم تُصدر إيران ردًا رسميًا على الأنباء المسرّبة، ما أثار تكهّنات عن استراتيجية طهران في التعامل مع هذه الخطوة الرمزية المحتملة. واعتبر مراقبون أن الصمت الإيراني في هذه المرحلة يعكس رغبة طهران في عدم الإخلال بمسار المفاوضات النووية الجارية، خاصة مع وساطة سلطنة عُمان ودولة الإمارات.
لكن سرعان ما بدأت التصريحات الغاضبة تتوالى من المسؤولين الإيرانيين والمراقبين، بعد تداول خبر التغيير المحتمل على نطاق واسع في وسائل الإعلام الإيرانية والدولية.
وفي هذا الإطار، صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي بالتالي: “الدوافع السياسية لتغيير الاسم التاريخي للخليج الفارسي تشير إلى نوايا عدائية ضد إيران وشعبها. اسم الخليج الفارسي – مثل العديد من الأسماء الجغرافية – له جذور عميقة في التاريخ البشري. لم تعترض إيران قط على استخدام أسماء مثل بحر عُمان، المحيط الهندي، بحر العرب أو البحر الأحمر. إنّ استخدام هذه الأسماء لا يعني ملكيّتها من قبل أي دولة، بل هو احترام للتراث المشترك للبشرية”.
وأضاف عراقتشي: “آمل أن تكون هذه الشائعات السخيفة مجرّد حملة أكاذيب يشنّها أشخاص اعتادوا التحريض على الحروب بهدف استفزاز الإيرانيين حول العالم. وأنا على يقين أنّ الرئيس الأميركي يعرف أنّ اسم الخليج الفارسي يعود لقرون مضت، وقد استخدمه كل الزعماء الإقليميين في مراسلاتهم الرسمية حتى أواخر الستينيات”
وختم وزير الخارجية الإيراني: “أي عمل قصير النظر في هذا الصدد لن يكون له أي شرعية أو تأثير قانوني أو جغرافي، بل سيثير غضب جميع الإيرانيين من مختلف المشارب السياسية داخل إيران وخارجها”.
بدوره علّق وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف على الأمر: “ما يُسمع عن استخدام اسم وهمي للخليج الفارسي يثير غضب كل إيراني وطني من أي توجه. سوف نظهر للعالم ولسكان البيت الأبيض أنّ الإيرانيين لن يتسامحوا مع هذه النزعة التجارية قصيرة النظر”.
الإعلام والمجتمع الإيراني: وحدة وطنية في مواجهة الاستفزاز
وأثارت الخطوة المحتملة للترامب موجة ردود فعل من الإعلاميين والمحلّلين في الداخل الإيراني وخارجه:
على سبيل المثال، مراسل “إندبندنت فارسي” داریوش معمار المصنف بالمعارض للنظام الحاكم كتب في تقريره: “قيل إنّ ترامب يريد الإعلان عن تغيير اسم الخليج الفارسي خلال زيارته للشرق الأوسط! هذا الخليج له اسم واحد فقط، اليوم وغدًا ودائمًا: الخليج الفارسي”.
أما الصحفية زهرا علي هاشمي من موقع “رکنا”، فقالت: “إذا صحّ خبر قرار ترامب بشأن تغيير اسم الخليج الفارسي، فإنه سيصبح السياسي الأكثر كراهية لدى الإيرانيين من جميع الأطياف. بهذا الخطأ الكبير، يصنع ترامب وحدة وطنية لم يسبق لها مثيل”.
أما الخبير في العلاقات الدولية رضا نصيري، فقد رأى أنه “إذا أعلنت الولايات المتحدة رسميًا تبنّي الاسم المزيّف – الخليج العربي – فستواجه بلا شك موجة احتجاجات واسعة من ملايين الإيرانيين في الولايات المتحدة وخارجها”. وتابع: “لا شيء يوحّد الإيرانيين، باختلافاتهم السياسية، كما يفعل استخدام اسم مزيّف للخليج الفارسي”.
كما كتب الإيراني الأسبق لدى الأردن نصرت الله تاجيك ساخرًا:
“ربما هذا مجرّد خبر زائف… لكن لو حدثت الحماقة فعلًا، فإنها ستعزّز وحدة الإيرانيين حول الخليج الفارسي، وستعطي الحكومة فرصة لاتخاذ مواقف حازمة. يبدو أنّ ترامب، بعد فشله في أوكرانيا وغزة والملفات التجارية، يقامر بمغامرة جديدة. إنه يضع قشرة موز تحت قدميه بنفسه”!
بدوره عبًر الباحث في دراسات الشرق الأوسط آريا برزن محمدي عن أسفه بالتالي:
“مؤسف أننا أصبحنا معزولين دوليًا. بالأمس صادرت الدول المجاورة رموزنا، واليوم تدّعي الإمارات ملكية جزرنا الثلاث بدعم من روسيا والصين، والآن ترامب يهاجم اسم الخليج. من الضروري أن نخرج من هذه العزلة ونستعيد مكانتنا الحقيقية في المجتمع الدولي، وإلا فسنُعامل كشبح لا يُهاب، حتى من قبل أضعف الدول”.
ورقة ضغط أم مغامرة جديدة؟
مع اقتراب موعد الإعلان، يترقّب الجميع ما إذا كانت هذه الخطوة مجرّد ورقة ضغط في سياق التفاوض مع إيران، أم مغامرة رمزية قد تؤدي إلى مزيد من التوتر والانقسام في المنطقة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يعيد ترامب فتح أحد أكثر الملفّات حساسية في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة من جهة وبين إيران والعالم العربي من جهة أخرى، أم أنّ الأمر سيظلّ في إطار التصعيد الإعلامي من دون خطوات عمليّة؟

