رسالة بن سلمان لخامنئي: مبادرة سعودية لجمع بزشكيان وترامب على طاولة الحوار؟
أجرى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان زيارة رسمية إلى طهران في 17 نيسان/ أبريل الجاري في خطوة وُصفت بالتاريخية، حيث أنها الزيارة الثانية من نوعها منذ الثورة الإيرانية عام 1979، بعد زيارة الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز.
وجاءت هذه الزيارة في سياق إقليمي بالغ التعقيد، إذ تسعى الدولتان إلى تخفيف حدّة التوترات وتعزيز التعاون المشترك في مجالات متعدّدة، على رأسها الأمن الإقليمي بما يشمل من ملفّات حسّاسة.
ورافق الأمير خالد وفد رفيع المستوى ضمَّ رئيس هيئة الأركان السعودي الفريق الأول الركن فياض بن حامد الرويلي، المستشار في الديوان الملكي خالد بن فريد حضراوي ومدير عام مكتب وزير الدفاع هشام بن عبد العزيز بن سيف.
وعكست تشكيلة الوفد بوضوح الأهمية القصوى التي توليها الرياض لهذه الزيارة، وتطلّعها إلى تحقيق نتائج ملموسة على المستوى الاستراتيجي.
ومما لفت الأنظار أيضًا حضور سفير السعودية لدى اليمن، في دلالةٍ على مركزية مركزية الملف اليمني في المباحثات الثنائية، ورغبة السعودية في التوصل إلى تفاهمات واضحة مع طهران بشأن إنهاء النزاع اليمني، وتأمين البحر الأحمر الذي يشكل شريانًا حيويًا للاقتصاد السعودي.
وخلال زيارته التي استغرقت بضع ساعات، التقى وزير الدفاع السعودي كلًا من رئيس الهيئة العامة لأركان القوّات المسلّحة الإيرانية اللواء محمد باقري، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي أكبر أحمديان ورئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، لينهي زيارته بلقاء القائد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، حيث سلّمه رسالة من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز.
وركّزت تصريحات المسؤولين الإيرانيين تعليقًا على الزيارة على أهمية التعاون العسكري والأمني بين البلدين لتحقيق الاستقرار الإقليمي، وعلى سياسة إيران القائمة على تحقيق الأمن الإقليمي عبر آليّات التعاون بين دول المنطقة نفسها، من دون تدخّل من القوى الخارجية.
وأكَّد باقري على استعداد القوات المسلّحة الإيرانية لتطوير التعاون الثنائي الدفاعي مع السعودية في مختلف القطاعات، فيما وجّه الأمير خالد الدعوة لرئيس الأركان الإيراني لزيارة الرياض، وفي ذلك دليلٌ على رغبة المملكة بتوسيع الحوار العسكري والأمني ليشمل مستويات رفيعة ومتقدّمة.
ووصف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي أكبر أحمديان الزيارة بـ “الخطوة الاستراتيجية المهمة” لتطوير التعاون في المجالات الأمنية والاقتصادية، معتبرًا أنّ “استراتيجية التعاون” بين السعودية وإيران تمثّل ضمانة للأمن والتقدم في المنطقة.
من جانبه، أكد الأمير خالد بن سلمان خلال لقائه أحمديان أنّ التعاون مع إيران يمثّل الركيزة الأساسية لضمان أمن المنطقة، كما حذّر من مخاطر الأطماع التوسّعية الإسرائيلية، مشدّدًا على أهمية العمل الإسلامي المشترك في مواجهة هذه التحديات.
بدوره أبدى خامنئي استعداد إيران لدعم السعودية في المجالات التي حقّقت فيها طهران تقدّمًا ملحوظًا، مؤكدًا أنّ العلاقات الوثيقة بين إيران والسعودية مفيدة للطرفين ويمكن أن تكون نموذجًا يُحتذى به في تعزيز التعاون الإقليمي. كما دعا خامنئي لمواجهة المحاولات الخارجية لإثارة التوتّر والتعاون بين دول المنطقة بما يحقّق مصالحها بشكل أفضل من الاعتماد على القوى الأجنبية.
من جهته أعرب بزشكيان عن أسفه للصراعات التي تشهدها المنطقة خلال لقاءه وزير الدفاع السعودي، لافتًا إلى أنّ الوحدة الإسلامية شرطٌ أساسي للتصدّي لمشاكل المنطقة، خاصة في ظل التحدّيات التي تمثّلها إسرائيل وسياساتها تجاه القضية الفلسطينية.
وقال بزشكيان إنّ بلاده مستعدّة لتوسيع علاقاتها مع السعودية في مختلف المجالات، موجّهًا دعوةً رسمية إلى العاهل السعودي وولي العهد لزيارة إيران في أقرب فرصة.
تمهيدٌ لخطوة أكبر؟
أثارت الرسالة التي حملها وزير الدفاع السعودي الكثير من التساؤلات عن فحواها. وفي هذا الإطار، رجّح رئيس تحرير موقع “إيران دبلوماسي” الدكتور علي موسوي خلخالي تضمين الرسالة تأكيدًا بأنّ الرياض لن تشكّل تهديدًا لإيران مطلقًا، كما لن تسمح باستخدام أراضيها ضد إيران، مضيفًا في حديثه مع “الجادة” أنّ الحكم السعودي وضع على جدول أعماله القيام بزيارة رفيعة المستوى إلى إيران، أي من الملك سلمان أو وليّ عهده محمد بن سلمان.
وأفادت مصادر دبلوماسية إقليمية لــ”الجادة” بأنّ الرسالة الذي حملها الأمير السعودي شملت طلبًا من الرياض بجمع الرئيسين الأميركي والإيراني في الرياض، حيث رحّب خامنئي بالجهد السعودي من دون أن يعطي موافقته على الطلب.
وبحسب المصادر الإقليمية، فإنّ الرياض سعت لجمع الرئيسين ترامب وبزشكيان في الرياض خلال زيارة ترامب، وبدأ الطرح السعودي من الأمم المتحدة، وجرى تسويقه لدى الأميركيين، لكن الإيرانيين أجابوا بأن الظروف لذلك لم تنضج بعد.
وفي سياق آخر، رأى محللون أنّ زيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران مؤشّر على خطوة أكبر قد تتخذ في العلاقات بين البلدين وفي مرحلة ما بعد مفاوضات مسقط بين إيران والولايات المتحدة، وذهب البعض إلى التلميح بفكرة إعداد وترتيب البلدين لـمعاهدة “دفاع مشترك”، وهي الخطوة التي قال الباحث الإيراني المتخصص في الشؤون الخليجية الدكتور كامران كرمي لـ “الجادة” إنها موجودة في رؤيتَيْ البلدين للوصول إلى نموذج للأمن الإقليمي، لكنّه استبعد التوصّل إلى اتفاق جدي في هذا الشأن رسم خطوطها خلال رحلة وزير الدفاع السعودي، حيث اقتصر الأمر برأيه حاليًا على مستوى التفاهم.
لكنّ موسوي خلخالي رأى أنّ مثل هذه المعاهدة – إذا ما كانت مطروحة – ستؤجَّل إلى ما بعد خفض التوترات أو حل الخلافات بين إيران والولايات المتحدة، حيث تنتظر الرياض وصول المفاوضات الإيرانية – الأميركية إلى نقطة مناسبة.
أمَّا رئيس تحرير صحيفة “طهران تايمز” محمد صرفي، فقد اعتبر أنّ إعلان طهران على لسان أرفع مسؤول فيها عن استعدادها لمساعدة الرياض في بعض المجالات يمكن أن يمهّد لمستوى جديد من العلاقات بين البلدين.
ورغم عدم المجالات المقصودة، رجّح صرفي خلال دردشة مع “الجادة” أن يشكّل هذا الأمر اقتراحًا جذّابًا بالنسبة للرياض، خاصة وأنّ الأخيرة تسعى إلى المزيد من الاستقلالية في سياساتها الخارجية وتنويع علاقاتها وشراكتها في علاقاتها الخارجية، حيث كانت وساطة الصين بين إيران والسعودية التي دفعت إلى إعادة العلاقات بين البلدين نتيجةً لهذا النهج.
ووفق كرمي وموسوي خلخالي، فإنّ الزيارة السعودية الأخيرة تمثّل تحوّلًا استراتيجيًا سعوديًا تجاه تهدئة الأزمات الإقليمية والتنسيق مع إيران في الملفّات الحساسة، مثل اليمن، سوريا، العراق ولبنان، مما قد يمهّد الطريق إلى تسويات سياسية إقليمية واسعة، كما أنّ تقاربًا سعوديًا – إيرانيًا يمكن أن يؤسّس لنظام إقليمي جديد قائم على التعاون الإقليمي وتعزيز القدرات الذاتية للدول في مواجهة التحديات.
وذكّر كرمي بالتحوّل في الأولويات المحلية والإقليمية للسعودية، مع التعريف الشامل لرؤية 2030 باعتبارها خارطة طريق للمملكة في العلاقات الخارجية، مما خلق فرصة ثمينة لطهران والرياض لرفع الأمن والتنمية إلى مستوى من التماثل، وتأسيس صفحة جديدة في علاقات الجوار.
وتظلُّ احتمالات توسيع العلاقات بين طهران والرياض مفتوحة، مع إمكانية الوصول مستقبلًا إلى اتفاقيات تعاون ودفاع مشترك، رغم أنّ هذه الخطوة لا تزال بحاجةٍ إلى المزيد من التفاهمات والحوارات التفصيلية بين الجانبين وفقًا لآراء وتحليلات الخبراء والمراقبين.

