الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة24 مارس 2025 15:24
للمشاركة:

روحاني: هذا ما جرى في أزمة البنزين 2019

يروي الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني في مقابلته مع صحيفة "ايران" قصة أزمة البنزين التي خلفت مظاهرات عمت إيران عام 2019، مقرًا بصعوبة إقرار رفع السعر أنذاك، كما أشار إلى أن القائد الأعلى الإيراني علي خامنئي دعم هذا القرار فيما ماطلت جهات ذات صلة في تنفيذ الأمر.

روحاني: كان البنزين بسعره في 2019 بعيدًا جدًاعن سعر ”فوب الخليج” (نظام تسعير للنفط في إيران). وبموجب القانون، كان علينا أن نجعل سعر البنزين أقرب إلى سعر التسليم على ظهر السفينة في الخليج، وكان هذا واجبنا القانوني، وليس رغبتي الشخصية.

لقد قمنا بتغيير سعر البنزين على ثلاث مراحل: في أيار/ مايو 2014، رفعنا سعر لتر البنزين من 400 تومان إلى 700 تومان، وسعر البنزين الحر إلى 1000 تومان، وارتفع سعر الديزل أيضًا بشكل طفيف، في حين كان البرلمان مخالفًا لهذا الأمر، وألقى عضو البرلمان السيد توكلي خطابًا في البرلمان وقال إن الرئيس يريد زيادة سعر البنزين، مما سيؤدي إلى زيادة التضخّم بنسبة 40%.

وكتب لي عدد من أعضاء البرلمان، ومن بينهم السيد توكلي، وطلبوا مني عدم تغيير سعر البنزين، وكان هناك رأيان في الحكومة، بعضهم وافق وبعضهم اختلف، في حين قال فريقنا الاقتصادي – رغم أنه لم يعارض ذلك – إنه من شأن رفع أسعار البنزين أن يتسبّب بالتضخم، وكانوا يتوقعون أن يصل إلى 25%، ثم ينخفض إلى 12% و6%. في المقابل، قلت إنّ وصول التضخم لنسبة 25% غير صحيح على الإطلاق، ولن يكون 12% أيضًا، وإنما قد يكون هناك تضخم طفيف، لكن في المحصلة ارتفع سعر البنزين من 400 تومان للتر إلى 700 تومان، ولم يرتفع التضخم نقطة مئوية واحدة.

من جهة أخرى، إنّ ثقتي بعدم ارتفاع نسبة التضخم التي أتت على عكس رأي الدوائر الاقتصادية في الحكومة، كانت بسبب أمل الشعب ونظرتهم الجيّدة للحكومة بأنّ المفاوضات ستنجح وبأنّ هذه القضايا لن يكون لها تأثير.

في عام 2015، قمنا بتثبيت سعر البنزين عند 1000 تومان، ولم يكن لهذا أيضًا أي تأثير على التضخم، على الرغم من أنّ أعضاء البرلمان وبعض أعضاء الحكومة كانوا معارضين. للمرة الثالثة، في عام 2016، أردنا تغيير سعر البنزين من 1000 إلى 1200 أو 1300 تومان للتر، لكن ّالحكومة عارضت ذلك بالإجماع، لذلك تم تأجيل الموضوع إلى العام التالي، ولم يكن ذلك من الممكن في بداية عام 2017 بسبب الانتخابات، لذا تمّ تأجيل الإعلان عن السعر الجديد لعام 2018 تلقائيًا، وحينها قالت لي الحكومة إننا سنوافق إذا وافق البرلمان، ولكن إذا عارض البرلمان فإننا سنعارض أيضًا، وما حصل أنّ البرلمان عارض ذلك أيضًا.

وفي ذلك الوقت، كانت هناك شائعات تفيد بأنّ ترامب يريد الانسحاب من الاتفاق النووي، فعقدنا اجتماعًا في الرئاسة، وحضر السيد لاريجاني وخبراء الاقتصاد في البرلمان، وهناك عارضوا المشروع بالإجماع، وقال السيد لاريجاني: “اليوم، في هذا الوضع حيث ليس من الواضح ما يريد ترامب فعله، لا تتعجّلوا”. لهذا السبب استسلمنا، وبطبيعة الحال، في العام نفسه 2018، استدلّ القائد الأعلى في اجتماعين أو ثلاثة اجتماعات خاصة أنه في ظل هذه الظروف الاقتصادية والعقوبات القصوى، يتم بيع البنزين بسعر رخيص، بينما إذا تمكّنّا من بيع البنزين بسعر جديد، فيمكننا حتى تصدير بعض البنزين. وهذا يعني أنه لا يلبّي الاحتياجات المحلية فحسب، بل يمكننا أيضًا تصديره إلى الخارج. وهذا ما حدث في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019. عدّلنا سعر البنزين، وفي الشهر التالي، بدءًا من كانون الأول/ ديسمبر 2019، بدأنا نصدّر 40 مليون لتر من البنزين يوميًا (حتى أنه في وقت ما من عام 2019، صدرنا 30 مليون لتر).

لقد أثّرت هذه القضية مع الحكومة في شتاء عام 2018، وقلت: “هذا رأي القائد الأعلى. وأنا أعتقد أيضًا بأنّ رأيه صحيح”، لكن رغم مناقشة الأمر كثيرًا، إلا أنّ الحكومة عارضته ولم تنفذه، في حين قلت للقائد الأعلى إنّ رأيي موافق لرأيك بشكل كامل، ولكنّ الحكومة لن تمرّر ذلك، فسالني: لماذا لا تقبل الحكومة بالأمر؟ قلت، “لقد جادلتهم وتناقشت معهم كثيرًا من دون جدوى، فقال لي إنه يجب عليّ طرح الموضوع مرّة أخرى، وقد أثرت هذه المسألة مرة أخرى مع الحكومة، لكنهم رفضوها مجدّدًا، وقالوا لي إن الأمر غير ممكن، هنالك عقوبات والمسألة صعبة، والظروف غير مناسبة الآن حيث عارضت الأغلبية الساحقة في مجلس الحكومة، ولذلك قررنا طرح هذه المسألة في اجتماع رؤساء القوى، وقد أثرنا هذا الأمر في اجتماع رؤساء القوى في أواخر عام 2018، وتمّت الموافقة عليه هناك.

وفي ذلك الاجتماع، جرى نقاش عن السعر الجديد. على سبيل المثال يجب أن يكون البنزين 1500 تومان أو أكثر؟ وكان هناك حديث أيضًا عن رفعه إلى 5000 تومان في ذلك الاجتماع، وكان هناك نقاش أيضًا عما إذا كان سيكون سعرًا واحدًا أم سعرًا مزدوجًا، باختصار، وافقنا وتقرّر أن يتم الإعلان عن السعر الجديد في أيار/ مايو 2019، وقد أعددنا وخطّطنا لكل شيء حتى أعلنت وكالة أنباء فارس يوم الثلاثاء إنّ أسعار البنزين سترتفع هذا الأسبوع. كنت في رحلة إقليمية، واتصل بي السيد زنغنه وقال إنّ الشوارع تحوّلت إلى طوابير، وإنّ مضخّات البنزين لدينا غير قادرة على الاستجابة. لقد اضطررنا إلى إلغاء الخطة، وأعلنا عن عدم تغيير السعر لأننا رأينا أنّ البلاد في ورطة، لذلك تخلّينا عنها. وأثيرت هذه القضية مرتين في اجتماع رؤساء القوى عام 2019. لكن لم يكن هناك وقت لذلك في الصيف، لذلك كان علينا أن نتركه لفرصة في الخريف، وقد ناقشناها وأقرّيناها في اجتماع، وتقرّر أن يوقع عليها رؤساء السلطات الثلاث لتنفيذها، لذلك وقعتُ على هذا القرار، ووقّع عليه السيد رئيسي والسيد لاريجاني أيضًا، ويعني هذا أنّ القرار يحمل تواقيع رؤساء السلطات الثلاث، فضلًا عن أنّ القرار صدر في اجتماع الرؤساء الثلاثة، لكن عندما أردنا تنفيذ القرار، أبلغنا مجلس الأمن الداخلي (تابع لوزارة الداخلية)- المسؤول عن التنفيذ – إنه ليس من المناسب الآن، وإنّ مناسبة الأربعين اقتربت، وفي النتيجة تم تأجيله، ثم سألتهم مرتين لماذا لا تنفّذون القرار؟ فقال وزير الداخلية السيد رحماني فضلي إننا في نهاية شهر صفر، وإنّ هذا الأمر غير مناسب الآن…

شعرتُ ببعض الانزعاج. أخبرتُ السيد رحماني فضلي في الحكومة أنني خوّلته القيام بذلك، وأنه ليس بحاجة للحديث معي بشأن موعد التنفيذ بعد الآن. اذهب ومتى ما تمّت الموافقة علي قرار التنفيذ في مجلس الأمن الداخلي، قم بتنفيذه، فقال لي: “يعني أنّ الأمر متروك لنا؟” قلت إنّ الأمر متروك لك، حتى أنني قلت له إنه لم يعد بحاجة إلى أن يخبرني بعد الآن، فقط اذهب وأدِّ ذلك بنفسك في الوقت المناسب. تمت مناقشة موعد التنفيذ والموافقة عليه في المجلس يوم الأربعاء، وكان من المقرّر تنفيذه مساء الخميس، وربما تم إرسال هذا القرار إلى مكتبنا يوم الخميس، لكنني لم أره، ولم يتصل بنا السيد رحماني فضلي مرة أخرى، بالطبع لم يكن عليه أي واجب لأنني قلت لك إنه ليس عليك أن تخبرني.

ليلة الجمعة، ظننتُ أنه لن يتم تنفيذه لأني نمتُ الساعة الحادية عشرة، وقلتُ: “لو أرادوا أن يعلنوا عنه، لأخبروني”، لا بد أنهم تركوا الأمر للأسبوع المقبل، وهنا نمت، واستيقظت في الساعة الثانية والنصف، فتحت التلفاز، كانت القناة السادسة تجري مقابلة مع شخص ما، نظرت إلى العناوين، ولم أجد أي أخبار، فذهبت للنوم مرة أخرى، واستيقظت في الساعة الخامسة صباحًا، وعندما فتحت التلفزيون، رأيت خبرًا يقول إنّ أسعار البنزين ارتفعت منذ منتصف الليل بالأمس، ولم يكن الأمر مفاجئًا بالنسبة لي بطبيعة الحال لأنني منحت هذه السلطة لمجلس الأمن الداخلي (التابع لوزار ة الداخلية).

صباح يوم الجمعة، بمناسبة السابع عشر من ربيع الأول (ذكرى ولادة الرسول)، ذهبنا للقاء القائد، فسألني عن الموضوع، فشرحت له إنني شخصيًا علمت بالأمر في الصباح نفسه، ثم قال: متى ستدفعون أموال هذا البنزين كدعم نقدي للناس؟ فأجبته: اعتبارًا من الشهر المقبل، لأنّ الاتفاق كان أن يُوزَّع كل ما يتم تحصيله من عائدات كدعم جديد لـ 60 مليون شخص.

الدعم السابق كان 45 ألف تومان للفرد، أما هذا الدعم فبلغ 55 ألف تومان للشخص الواحد، وفي حين أنّ الدعم السابق شمل أكثر من 70 مليون مواطن، أما الدعم الجديد فكان مخصّصًا لـ 60 مليونًا فقط.

في فترة ما بعد الظهر من ذلك اليوم، اتصلت بالسيد رحماني فضلي وسألته: هل هناك أخبار؟ فأجاب: لا، لا شيء.

لكن عصر الجمعة انتشرت ثلاث أو أربعة أخبار على مواقع التواصل، منها إعلان بعض نواب البرلمان نيّتهم إلغاء الخطة عبر مشروع قانون بثلاث مراحل يوم الأحد، كما نشر السيد رئيسي تغريدة قال فيها إنه يعارض الخطة. كذلك، ظهرت تغريدة نُسبت إلى مجموعة من علماء قم أعلنوا فيها معارضتهم. بعض النواب أيضًا أصدروا بيانات، مثل السيد تاجكردون، الذي دعا الناس إلى التظاهر، رغم أنه كان عضوًا في جلسة رؤساء السلطات الثلاث.

منذ تلك الليلة، بدأت التظاهرات في مدن مختلفة، لكن لماذا اندلعت هذه التظاهرات؟ لماذا لم يتم احتواؤها في اللحظة الأولى؟ لماذا بدأت هذه اللعبة؟ هذه لم تكن مشكلة بنزين، بل محاولة انقلاب على الحكومة، كما أنّ أحداث عام 2017 التي بدأت من مشهد كانت كذلك محاولة انقلاب.

نفّذوا أربع محاولات انقلابية ضد حكومة الدورة الثانية: اثنتان ناعمتان، واثنتان عنيفتان، لكنهم لم ينجحوا في أي منها، رغم انهم ألحقوا بنا أضرارًا في جميعها. في 2017، بدأوا الفوضى من مشهد، وانتشرت إلى باقي المدن، واضطررنا إلى إنهاء ما بدأوه بأنفسهم. وكذلك في 2019، كانت مؤامرة أخرى.

شهدت البلاد مظاهرات بدءًا من مساء الجمعة وحتى صباح السبت فمساء السبت وانتهاءً بصباح الأحد، حيث أعلن القائد الأعلى في درس الفقه أنّ هذا الإجراء هو قرار مشترك للسلطات الثلاث وأيّده، وبعد ظهر الأحد انتهت التظاهرات، أي أنه في مساء الأحد لم يكن هناك أي مظاهرات.

تحدثتُ مع رحماني فضلي ليل الأحد وأبلغته أنه لا توجد أي تطوّرات في البلاد، وكل حالات القتل التي يُشار إليها تعود إلى مساء الجمعة وصباح السبت ومساء السبت وصباح الأحد، وبعد ظهر الأحد انتهت القضية، وهذا يدل على أنّ البنزين لم يكن أصل المشكلة، فشعبنا شعب واعٍ ومتعاون، نحن قمنا بتغيير سعر البنزين في عامي 2014 و 2015 ولم يعترض أحد، لكن في عام 2019 حرّض البعض الناس على التظاهر.

هناك أحداث أخرى حصلت بالتزامن مع ذلك، مثل ما وقع في مدينة “ماهشهر”، حيث قام بعض المسلّحين بجلب رشاشات واستغلّوا اضطراب الوضع في المدينة وسقط عدد من القتلى، ولكن هذه الحادثة لم تكن مرتبطة بمسألة البنزين، بل كانت قضية مختلفة، ومع ذلك تم إدراج ضحاياها ضمن ضحايا احتجاجات البنزين.

في الأسبوع التالي عندما ذهبتُ إلى تبريز، وخلال اجتماع في مجلس المحافظة، قال أحد الحضور إنّ الناس لم يكونوا على علم مسبق، فأجبت إنني أنا نفسي لم أكن على علم، لقد عرفتم صباح الجمعة وأنا أيضًا علمت صباح الجمعة، لكنّ القرار كان مصدَّقًا عليه من قبلهم وتم تبليغه، ولكن نظرًا لأن مجلس الأمن الداخلي لم يكن يوافق على توقيت التنفيذ، فقد منحتهم صلاحية اختيار توقيت التنفيذ، وقلت لهم لا حاجة لإبلاغي بالموعد، نفذوه في الأسبوع الذي ترونه مناسبًا، وهم نفذوه بالفعل، لكن الذين انتقدوا استخدموا جملة واحدة قلتها ولم يذكروا الباقي، ليقولوا كيف لا يعلم رئيس الجمهورية بالقرار!

عندما أعود إلى تلك الفترة وأراجع الأمور، أرى أنّ قراري كان صائبًا، وكان ينبغي أن تقوم الحكومة بتعديل سعر البنزين في عام 2016 ورفعه من 1000 إلى 1200 تومان، وفي عام 2018 إلى 1300 تومان، ولو فعلنا ذلك لما وقعت أية أحداث. العمل الجماعي في الحكومة يفرض على الشخص مراجعة موقفه إذا عارضه الجميع. أنا لستُ مثل ترامب كي أفرض أوامر من دون مشاورات. رئيسي نفسه قال لاحقًا لماذا تم رفع السعر فجأة ولم يتم رفعه تدريجيًا، لكن رئيسي حين أصبح رئيسًا للجمهورية من 2021 إلى 2024 لم يرفع السعر تدريجيًا هو الآخر.

القسم الأول/ روحاني يروي كواليس مفاوضات النووي: هدفان أصر عليهما رئيس إيران الأسبق

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: