الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة15 مارس 2025 12:09
للمشاركة:

كيف تؤثّر عودة الضغط الأقصى على علاقات دول الخليج العربية بإيران؟

يرى الكاتب كامران كرمي أنّ الدول الخليجية العربية لم تعد تتناغم مع سياسة الضغوط القصوى التي تنتهجها الإدارة الأميركية ضد إيران. في مقال له في صحيفة "دنياي اقتصاد"، يذكّر الكاتب بأنّ هذه الدول فضّلت الاستثمار في الدبلوماسية لإرساء مرحلة استقرار في المنطقة وعدم تعريض نفسها لهجمات عسكرية بعد سنوات من الحرب في اليمن وتراجع الولايات المتحدة في تحمّل العبء الأمني.

في ما يلي الترجمة الكاملة للمقال.

شهدت العلاقات بين مجلس التعاون الخليجي وإيران اتجاها ثابتا نحو التهدئة على مدى السنوات القليلة الماضية. وكان هذا الاتجاه مدفوعًا بشكل رئيسي بأسباب اقتصادية، والحاجة إلى الاستقرار الإقليمي لمتابعة الخطط الاقتصادية، وتشكّك دول الخليج العربية في موثوقية الولايات المتحدة في توفير الأمن للمنطقة. لكنّ هذه البرغماتية تعرّضت للاختبار بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وخاصة مع المواجهة بين إيران وإسرائيل ومع الولاية الثانية لرئاسة ترامب.

وفي سياق التقارب الإقليمي، تفضّل دول الخليج العربية الابتعاد عن سياسة “الضغط الأقصى” التي ينتهجها ترامب على إيران، والعمل بدلًا من ذلك كوسطاء لتخفيف التوتّرات الإقليمية.

هل يصبح ترامب خصمًا للتحالف بين إيران والمشيخات؟

ويكتب الباحث في معهد الشرق الأوسط في جامعة سنغافورة الوطنية كليمنس تشاي في قاعدة البيانات التحليلية للمعهد: إذا كانت النبوءات مبنيّة على الكلمات، فإنّ كلمات الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، الذي قال إنّ المملكة العربية السعودية وإيران يجب أن تجدا طريقة لتقسيم الجوار وخلق نوع من السلام البارد، أصبحت الآن حقيقة واقعة.

بعد أيام قليلة من إطلاق إيران هجومها الصاروخي الثاني على إسرائيل في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، شاركت البحرية السعودية لأول مرة في مناورة مشتركة في خليج عمان إلى جانب البحرية الإيرانية وبحريات إقليمية أخرى. وكان هذا الحدث بمثابة نقطة تحوّل في العلاقات بين هذين الخصمين الأيديولوجيين القديمين في السياق الجيوسياسي. وتواصلت الدبلوماسية الدفاعية بين البلدين بعد شهر بزيارة رئيس أركان القوات المسلّحة السعودية إلى طهران.

وفي حدث آخر، وصلت أربع سفن حربية إيرانية في 3 شباط/ فبراير إلى ميناء خالد في الشارقة في زيارة تستغرق ثلاثة أيام. وكان هذا أوّل تبادل بحري بين إيران والإمارات العربية المتحدة، وتم تصويره كجزء من برنامج تبادل الزيارات البحرية لتعزيز الأمن البحري وضمان حرية الملاحة في المنطقة.

إنّ حقيقة أنّ التقارب بين إيران وجيرانها العرب في الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، قد وصل إلى النقطة التي يشاركون فيها الآن في التفاعلات الدفاعية، يشير إلى اصطفاف بحري تجاه الأجواء الإقليمية خلال ولاية دونالد ترامب الأولى.

في وقت سابق، دعمت الرياض وأبو ظبي والمنامة حملة “الضغط الأقصى” التي شنّها ترامب ضد طهران. علاوة على ذلك، عارضت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في السابق خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، التي صاغتها إدارة أوباما للسيطرة على البرنامج النووي الإيراني، وأصرّت على أن الاتفاق غير كافٍ لمواجهة التهديدات التي تشكلها إيران ووكلائها.

لقد كانت التهدئة المتزايدة بين إيران وأعضاء مجلس التعاون الخليجي على مدى السنوات القليلة الماضية مدفوعة بدوافع مختلفة على الجانبين، ولكنها تستند في الأساس إلى البراغماتية.

وبالنسبة لقادة دول الخليج العربية، فإنّ القوة الدافعة وراء هذا الاتجاه هي إيمانهم بضرورة تحمّل المسؤولية عن أمنهم، حيث يرون بشكل متزايد أنّ الولايات المتحدة شريك غير موثوق به في ضمان الأمن الإقليمي. ومن المرجّح أن يكون هذا الموقف قد تعزّز بعد الأحداث المحيطة بأسر عدد من الإسرائيليين على يد حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وعلى نطاق أوسع، فإنّ الخطط المحلية للعواصم الخليجية – خاصة الرياض – للابتعاد عن النفط، تجعل الاستقرار الإقليمي شرطًا أساسيًا لإعادة البناء الاقتصادي. بالنسبة لإيران، التي لا تملك اليد العليا في إضعاف حلفائها، فإنّ الدبلوماسية الإقليمية، التي كانت في السنوات الأخيرة مسألة عملية للهروب من الضغوط الاقتصادية، أصبحت الآن ضرورة لمنع إضعاف مكانتها الجيوسياسية.

بداية ذوبان الجليد

ويمكن أن يُعزى سعي إيران إلى التقرّب من جيرانها في الخليج إلى سياسة الجوار التي انتهجتها البلاد في أواخر عام 2019. وكان الاقتراح الإيراني الأهم في ذلك الوقت قد جاء خلال الدورة رقم 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما قدّمت حكومة روحاني مبادرة هرمز للسلام (أمل). وكانت هذه الخطة تمثل رؤية إيران لإيجاد حل إقليمي في مجالات “أمن الطاقة، حرية الملاحة، تبادل المعلومات، مراقبة الأسلحة، منع الصراعات وعدم الاعتداء”.

وكان النهج التصالحي الذي اتبعته إيران تجاه جيرانها العرب مدفوعًا إلى حد كبير بنقاط ضعفها، فضلًا عن إدراكها للثقل الإقليمي المتزايد للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. اعتبرت إيران الخاضعة للعقوبات دول الخليج العربية – خاصة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية – بمثابة شريان حياة اقتصادي مهم.

في الوقت الذي أعلن فيه روحاني عن مبادرة هرمز للسلام، كان الفاعلون العرب في منطقة الخليج يأملون في أن تؤتي سياسة الضغط القصوى التي تنتهجها إدارة ترامب ضد إيران ثمارها. لكن بحلول عام 2022، ظهرت بوادر إعادة التفكير في السياسة الخارجية لدول الخليج العربية.

في آذار/ مارس 2023، اتجهت الأنظار العالمية نحو المملكة العربية السعودية وإيران بسبب تطبيع علاقاتهما بعد قطعها في عام 2016، مما أثار الآمال في الاستقرار الإقليمي. وفي الوقت نفسه، أصبح دور الصين كوسيط في المفاوضات بين البلدين موضوعًا رئيسيًا للنقاش، مما يدل على أنّ دول الخليج لم تعد تعتمد على الولايات المتحدة وحدها. لكنّ النقطة الأهم هي أنّ هذه الدول تظهر الآن إرادة أكبر للسيطرة على مصير منطقتها وإدراتها.

في هذه الأثناء، أعادت إيران والإمارات العربية المتحدة – اللتان بينهما نزاع طويل الأمد بشأن جزر في مضيق هرمز – العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل عام 2022. قبل ست سنوات، خفضت الإمارات علاقاتها الدبلوماسية مع طهران تضامنًا مع المملكة العربية السعودية؛ تمّ هذا الإجراء بعد قضية القنصلية السعودية في مشهد.

في أيار/ مايو 2024، اجتمعت اللجنة الاقتصادية المشتركة بين إيران والإمارات العربية المتحدة مرة أخرى بعد عقد من الزمان، مما أظهر دلائل على التعاون الاقتصادي الرسمي بين البلدين. وشكل هذا التغيير انتقالًا من التجارة غير الرسمية السابقة التي كانت تقوم فيها الشركات الإماراتية بشراء البضائع ثم شحنها إلى إيران.

ثم في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، التقى رئيسا إيران والإمارات العربية المتحدة على هامش قمة مجموعة البريكس. وتكمن أهمية هذه التطوّرات في أنّ الإمارات العربية المتحدة – التي انتهجت في السابق سياسة خارجية أكثر عدوانية بلغت ذروتها في عام 2020 بتوقيع اتفاقيات إبراهام لتطبيع العلاقات مع إسرائيل – تظهر الآن علامات على تعديل نهجها.

ولعلّ الجزء الأكثر أهمية في عملية التقارب الإقليمي هو العلاقات بين إيران والبحرين. لقد كانت البحرين دائمًا تُعتبر دولة عرضةً للنفوذ الإيراني، وذلك بسبب العدد الكبير من سكانها الشيعة. لكنّ العلاقات الدبلوماسية بين البلدين أصبحت الآن على وشك الاستئناف.

أعلن ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في أيار/ مايو 2024 أنه “لا يوجد سبب لتأخير التطبيع”. وعلى الرغم من بعض القضايا التي لم يتم حلّها – بما في ذلك شرط البحرين بأن تتوقف إيران عن دعم المعارضة البحرينية – فقد ارتفع مستوى التفاعلات الدبلوماسية بين البلدين طوال عام 2024. وفي هذا الصدد، عقد وزيرا خارجية إيران والبحرين اجتماعات عدة عام 2024، على الرغم من بقاء الأجواء الإقليمية متوترة.

العوامل المؤثرة على الدفء الأوّلي للعلاقات

كانت المخاوف المتزايدة بشأن موثوقية الولايات المتحدة كضامن للأمن أحد العوامل الرئيسية التي دفعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة للسعي إلى تطبيع العلاقات مع إيران. ولم تكن حملة الضغط القصوى التي شنّها ترامب على إيران خلال ولايته الأولى مثمرة. وبدلًا من ذلك، وجدت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة نفسيهما عرضة لهجمات من قبل وكلاء إيران، ومتورّطتين في الحرب في اليمن، حيث كانت قوّاتهمت مستهدفة باستمرار من قبل الحوثيين.

وعلاوة على ذلك، أثار الرد الأميركي على الهجمات التي شُنت في عام 2019 على منشآت النفط السعودية والسفن السعودية والإماراتية شكوكًا جدية عن التزامات واشنطن الأمنية. بعد يومين من هجوم الحوثيين على منشأة بقيق النفطية في شرق المملكة العربية السعودية، قال الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترامب: “كان هذا هجومًا على المملكة العربية السعودية، وليس علينا”.

وقد أدى الرد البطيء من جانب إدارة بايدن على هجوم طائرة من دون طيار شنه الحوثيون في كانون الثاني/ يناير 2022 – والذي أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص في أبو ظبي – إلى تأجيج انعدام الثقة هذا. وسافر قائد القيادة المركزية الأميركية آنذاك الجنرال كينيث ماكنزي إلى أبو ظبي بعد 22 يومًا من الهجوم، لكن رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد رفض عمدًا مقابلته. وانعكس هذا الاستياء العربي في قرار دول مجلس التعاون الخليجي الذي رفض دعم التصويت الذي قادته الولايات المتحدة في نيسان/ أبريل 2022 لتعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

مع هجمات البحر الأحمر في عام 2019، يبدو أنّ قادة دول الخليج قرروا أنّ مسؤولية أمن المنطقة تقع على عاتقهم، وأنّ عليهم التعاون بشكل أكثر نشاطًا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومن الجدير بالملاحظة النهج البراغماتي الذي اتبعته دول الخليج العربية في النأي بنفسها عمدًا عن الضربات الجوية الأميركية والبريطانية ضد أهداف الحوثيين في اليمن منذ كانون الثاني/ يناير 2024؛ ويعكس هذا الإجراء رغبة هذه الدول بتجنّب خلق توترات جديدة مع إيران أو وكلائها.

اليوم، أصبح العائد على استثمارهما في الدبلوماسية مع إيران واضحًا، فرغم أنّ الاضطرابات في البحر الأحمر لم تتوقّف تمامًا، فقد ظلّت الدولتان الخليجيّتام إلى حد كبير محصّنتين ضد أزمات ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر. إن سعي دول الخليج العربية إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي يكمن وراءه مبرِّرٌ أوسع يرتكز على السلام والتنمية. تتمتّع كل دولة خليجية برؤية طويلة الأجل لتقليل اعتمادها على النفط، ويُنظر إلى وجود فناء خلفي مستقر خالٍ من المخاطر الجيوسياسية باعتباره ضرورة لإعادة البناء الاقتصادي الناجح. إنّ المبادرة الرامية إلى التعامل مع إيران تشكّل في واقع الأمر جزءاً من برنامج لتنويع الشراكات الدولية، وخاصة في حالة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، اللتين تشمل علاقاتهما الحكومية الدولية أيضًا قبولهما في مجموعة البريكس.

بعد خمس سنوات من إطلاق رؤية السعودية 2030، ظهر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على التلفزيون الرسمي في نيسان/ أبريل 2021، مؤكدًا أنّ الاستقرار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية من المبادئ المهمة، ثم أضاف: “السعودية تريد أن تزدهر إيران وتنمو”. ما هو هذا الدافع؟ وأوضح ولي العهد إنّ “ذلك يأتي بهدف تعزيز النمو والازدهار في المنطقة والعالم”. ويُعدُّ الاستقرار أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة للسعوديين مع دخول المشاريع الكبرى في إطار رؤية 2030 مراحل حاسمة من تنفيذها.

الحوار رغم الصراع بين الجيران

ولم تؤثّر الأحداث التي أعقبت أسر الإسرائيليين على يد حماس في السابع من تشرين الأول/ أكتبو على التفاعلات بين دول الخليج العربية وإيران. في أعقاب اغتيال الزعيم السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية في 31 تموز/ يوليو 2024، والاغتيالات المتسلسلة والمستهدفة لأعضاء من جماعتَيْ حزب الله و”حماس”، عُقد عدد من الاجتماعات الدبلوماسية بين دول الخليج العربية والمسؤولين الإيرانيين، خاصة عندما بدت جهود إدارة بايدن لاحتواء إسرائيل فاشلة.

وبرزت الجهود الدبلوماسية الأخيرة التي بذلتها إيران للحصول على دعم دول الخليج العربية عندما وجدت نفسها متورّطة في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. بعد الهجوم الصاروخي الإيراني على إسرائيل في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، سافر وزير الخارجية الإيراني إلى دول عربية عدة – بما في ذلك المملكة العربية السعودية – ودعا إلى الحياد العربي في المواجهة بين إيران وإسرائيل.

كان الهدف الرئيسي بالنسبة للشركاء في الخليج العربي – حيث للولايات المتحدة وجود عسكري – هو أولاً نقل الرسالة ــ بشكل مباشر أو من خلال الولايات المتحدة ــ بأنّ إسرائيل يجب أن تمتنع عن استهداف المواقع النووية وحقول النفط الإيرانية، وثانيًا، منع استخدام المجال الجوي للخليج لشنّ هجمات على إيران. وقال بعض الوسطاء في الخليج إنّ رسالة إيران – في حين تبدو في ظاهرها على شكل طلب – كانت في واقع الأمر تهديدًا يوحي بأنّ الدول العربية قد لا تكون محصّنةً ضد الهجوم.

ويبدو أنّ التهديد الخفي الذي تشكّله إيران قد بدأ يتحقّق. دان زعماء دول الخليج العربية بالإجماع الضربات الجوية الإسرائيلية ضد إيران وأعربوا عن قلقهم الحقيقي إزاء احتمال اندلاع صراع أوسع نطاقًا في المنطقة. ثم في اجتماع خاص للدول العربية والإسلامية في الرياض في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، دعا ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان المجتمع الدولي إلى إلزام إسرائيل “باحترام سيادة إيران وعدم انتهاك أراضيها”، كما اتهم نتنياهو في بيانٍ له – سبقه اتصال هاتفي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان – بارتكاب “إبادة جماعية”.

وتشير هذه الرسائل إلى تحوّلٍ كبير في موقف المملكة العربية السعودية، من مجرّد إدانة تصرّفات إسرائيل إلى مواقف أكثر تطرّفًا. إنّ الجدية المتزايدة للتصريحات السعودية – إلى جانب التأكيد المتجدد على ضرورة تشكيل دولة فلسطينية كشرط مسبق للسلام – تعني أنّ السعوديين يتوقعون أن تكون قوة إسرائيل محدودة. وعلى نحو مماثل، تحوّلت تصريحات الإمارات العربية المتحدة من مجرّد التعبير عن القلق إزاء تصاعد العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين إلى إدانة متزايدة لأفعال إسرائيل؛ كل هذا رغم العلاقات الرسمية مع إسرائيل.

في حين أنّ دول الخليج العربية سعيدة بتراجع إيران، إلا أنها لا تزال لا تثق بها بشكل كامل على الرغم من قربها المتزايد منها، وهي تريد أيضًا الحد من التوترات الإقليمية لمنع أي تحركات يائسة من جانب إيران نحو اكتساب القدرة النووية. وفي الوقت نفسه، ستشعر دول الخليج العربية أيضًا بالقلق من حكومة إسرائيلية يمينية غير مستقرّة تتمتّع بتفوّق عسكري لا جدال فيه في المنطقة.

في الواقع، تشهد دول الخليج العربية الآن مثالًا عمليًا على مدى السرعة التي تستطيع بها الولايات المتحدة نشر قواتها في المنطقة ــ عندما يخدم ذلك مصالحها. وفي أعقاب إطلاق الهجوم البري الإسرائيلي على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أرسل البيت الأبيض حاملتَيْ طائرات أميركيتين إلى المنطقة بهدف “ردع أي محاولة لتوسيع هذه الحرب”.

في الآونة الأخيرة، كان نشر الولايات المتحدة للقاذفات والمقاتلات والسفن الحربية في الشرق الأوسط سريعًا وحاسمًا، ولكن فقط للتأكيد على “التزامها القوي” تجاه إسرائيل. ورغم أنّ هذه التدابير قد يُنظر إليها باعتبارها وسيلة لضمان الأمن الإقليمي، فإنّ التجربة علّمت دول الخليج العربية أنّ سرعة نشر القوات الأميركية قد لا تكون دائمًا على هواها.

ويظلُّ النهج العام للحكومات العربية غير مخطط له ومشتّتًا. وعلى وجه الخصوص، لا يوجد إجماع على اتخاذ تدابير عقابية ضد إسرائيل، كما لوحظ في القمة المشتركة بين جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي في الرياض في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، وقمة جامعة الدول العربية في البحرين في أيار/ مايو الماضي. ومن المرجّح أن يكون السبب في ذلك هو أنّ المصالح الوطنية تشكل أولوية بالنسبة لدول مثل البحرين والإمارات العربية المتحدة، الموقّعتين على اتفاقيات إبراهيم، وقد تفقد هذه الدول مصالحها الاقتصادية المشتركة إذا اتخذت موقفًا أقوى ضد إسرائيل. ومع ذلك، فإنّ هدف تحرير المنطقة من الصراع لا يزال قائمًا.

ومع استعداد إدارة ترامب لمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مزيدًا من السلطات، فإنّ الخلافات بين زعماء الخليج والرئيس الأميركي الجديد قد تصبح أكثر وضوحًا، خاصة إذا سمح ترامب لإسرائيل بتصعيد عمليّاتها العسكرية ضد إيران. وثمّة نقطة خلاف أخرى تتعلّق بمقترح ترامب الغريب بشأن غزة، والذي يتحدّى مصداقية دول الخليج العربية باعتبارها داعمة لتشكيل دولة فلسطينية، ويضع عبء تمويل أي خطة لإعادة إعمار غزة على أكتافهم.

البراغماتية أم الضرورة بالنسبة لإيران؟

في حين أنّ المبادرة الإيرانية الأولية للتواصل مع جيرانها في الخليج كانت مدفوعة برغبة في كسر العزلة الاقتصادية، فإنّ الفرق الآن هو أنّ إسرائيل كانت تُلحقُ الضرر بالوكلاء الإيرانيين مثل حزب الله و”حماس”، ومؤخّرًا قوات بشار الأسد في سوريا، والتي كانت تنفّذ استراتيجية الردع.

والأسوأ من ذلك أنّ اغتيال زعيم “حماس” إسماعيل هنية خلال حفل تنصيب مسعود بزشكيان في طهران أثار الشكوك بشأن قدرات إيران الأمنية. ومع إضعاف أدوات الردع الإيرانية وعودة حكومة متشدًدة بقيادة ترامب، فإنّ طهران تسعى الآن إلى الدبلوماسية من منطلق الضرورة، وأصبح التواصل مع جيرانها العرب ضرورة لإيران البراغماتية لمنع تصعيد التوترات.

وفي مؤتمر صحفي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر الماضي، أعلن بزشكيان إنّ إيران “مستعدّة للتخلّي عن كل أسلحتها بشرط أن تفعل إسرائيل الشيء نفسه”. ورغم أنّ ردة فعل وسائل الإعلام المحلية المتشدّدة دفعت وزير الخارجية الإيراني إلى القول في محاولة للسيطرة على الأزمة إن الرئيس “لم يصدر مثل هذا التصريح قط”، فمن الواضح أنّ إيران تريد منع تصعيد التوترات وتعزيز العلاقات المحسّنة مع جيرانها العرب. ولم يستبعد الرئيس الإيراني أيضًا إعادة التفاوض على الاتفاق النووي مقابل تخفيف العقوبات، وأكد نائبه محمد جواد ظريف استعداده لإحياء الاتفاق مع ترامب.

يتعيّن على إيران الآن أن تواجه رئيسًا جديدًا في البيت الأبيض الذي يعتزم عزلها وإضعافها بشكل أكبر. وفي هذا السياق، قد تشعر إيران ببعض التفاؤل بأنّ الدبلوماسية مع دول الخليج العربية، التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية وتعترف بها واشنطن كشركاء أو حلفاء، يمكن أن تكون بمثابة قناة بديلة للتواصل مع الإدارة الأميركية الجديدة.

استثناء

تكتسب العلاقة بين قطر وإيران أهمية خاصة في ظلّ أجواء التحسّن في العلاقات بين طهران ودول الخليج الأخرى. لقد كانت السياسة الخارجية للدوحة منذ تسعينيات القرن العشرين تقوم على تعظيم الشركاء وتقليص الأعداء. ويكتب أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون في قطر مهران كامراوا أنّ استراتيجية الدولة الصغيرة تعتمد على “التحوّط من المخاطر”. “حالة كبيرة من جانب واحد، مثل التحالفات والشراكات الأمنية، وعدد من الشروط الأصغر من جانب آخر، مثل الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية والودية ظاهريًا”. أكد دبلوماسيون قطريون أنّ الحوار والترويج الوطني عنصران مهمان في دبلوماسية البلاد وجهودها لتعزيز القوة الناعمة.

وبناءً على هذه السياسة، حاولت قطر باستمرار تجنّب إثارة العداوة في تعاملاتها مع إيران، التي تشترك معها في أكبر حقل للغاز في العالم، حقل بارس الجنوبي/ الشمالي 2، وتسعى حاليًا إلى تنفيذ مشروع مشترك لبناء أطول نفق تحت الماء في العالم.

ومن وجهة نظر الدوحة، تعمل إيران كقوة موازنة مفيدة للمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، في حين يوفّر مجلس التعاون الخليجي – كمنظمة جماعية – “لقطر الحماية الدبلوماسية التي تحتاج إليها لمواصلة السياسات التي تتعارض مع المصالح الإيرانية وتثير استياء طهران”.

على الرغم من أنّ قطر استدعت سفيرها من إيران عام 2016 لإظهار الدعم للسعوديين الذين تعرّضت قنصليّتهم في مشهد لهجوم من قبل المتظاهرين الإيرانيين، فإنّ سياسة التحوّط التي انتهجتها الدوحة أتت بثمارها: بعد نحو عام، عندما بدأت الرباعية: السعودية، الإمارات، البحرين ومصر، حصار قطر، أرسلت إيران خمس طائرات تحمل الغذاء إلى الدوحة. وسرعان ما استأنف البلدان العلاقات الدبلوماسية الكاملة.

لكنّ المصالحة الإقليمية الجارية، المصحوبة بالصراعات والرئيس الجديد في البيت الأبيض، تعمل على تعقيد أجندة السياسة الخارجية القطرية. وعلى وجه الخصوص، أصبحت الوساطة ــ وهي أداة على قائمة القوة الناعمة لقطر ــ صعبة بشكل متزايد بسبب الدور الذي تلعبه في مفاوضات وقف إطلاق النار بين “حماس” وإسرائيل.

وقد استخدم منتقدو الدوحة هذه القضية لاتهامها بتمويل الجماعات المتطرّفة، الأمر الذي أجبر المسؤولين القطريين على توضيح موقفهم مرارًا وتكرارًا. يتعيّن على قطر الآن أن تُعيد النظر في حساباتها بشأن الاستثمار الطويل الأجل في حماس، نظرًا لاتجاه السياسة الخارجية الذي سيحدّده الرئيس الأميركي الجديد، الذي من المرجح أن تكون لديه توقعات مختلفة بشأن وضع قطر كحليف رئيسي غير عضو في حلف شمال الأطلسي اعتبارًا من كانون الثاني/ يناير 2022. وتدرك الدوحة جيدًا دعم ترامب الأولي للحصار الإقليمي ضد قطر في عام 2017 قبل أن يغيّر موقفه في أوائل عام 2018.

علاوة على ذلك، فإنّ التقدم الأخير في محادثات وقف إطلاق النار، والذي جاء بعد فترة من الجمود، لم يتحقّق إلا بتدخل واشنطن، وهي علامة مقلقة على عدم فعالية وساطة قطر. كما أثّرت الهجمات المتبادلة بين إسرائيل وإيران طوال عام 2024 – مع وجود إسرائيل في محادثات وقف إطلاق النار وإيران بما في ذلك حماس في مركز محور المقاومة – على وساطة قطر.

وعلاوة على ذلك، فإنّ المناخ الحالي للمصالحة في المنطقة قد يثير تساؤلات عن دور الوساطة الذي تلعبه قطر في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران. ورغم أنه يُنسب للدوحة المساعدة في تسهيل جهود واشنطن عام 2023 لإطلاق سراح خمسة سجناء أميركيين في إيران، فإنّ الولايات المتحدة قد تتمكّن في المستقبل من استخدام قنوات الاتصال التي أنشأتها دول الخليج المجاورة مع طهران.

الملكية الإقليمية في عالم ترامب

حتى الآن، لا توجد أي مؤشرات على حدوث انفراج في هدوء العلاقات الخليجية مع طهران، على الرغم من أنّ طبيعة ونطاق الدبلوماسية قد تختلف في علاقات ثنائية محدّدة. لا ترغب الدول العربية في الخليج بأن تكون في مرمى نيران إيران (أو حلفائها)، ولكنها تشعر بنفس القدر من القلق إزاء القوة العسكرية الإسرائيلية المتزايدة اللامحدودة، ولا تريد أن تفرض تل أبيب إرادتها على المنطقة.

ونظرًا للحروب في غزة ولبنان، فإنّ إمكانية ظهور موجة مستقبلية من التطرّف من جانب الجماعات العربية المحبَطة التي لا تزال باقية قد تكون سببًا للقلق. وفي هذا السياق، قد يشكّل الاستمرار في التعامل مع إيران – مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب – شكلًا من أشكال التأمين لدول الخليج.

مع وجود ترامب في البيت الأبيض على مدى السنوات الأربع المقبلة، سيتعيّن على دول الخليج العربية وإيران أن تتنقّل عبر موجات مضطربة لا يمكن التنبّؤ بها. وبالنسبة للدول العربية، فإنّ الحفاظ على قناة اتصال مع طهران أمر ملائم في ضوء دعوات ترامب لتقاسم الأعباء، فضلًا عن كونه وسيلة لإثبات فائدتها.

ولم تضيّع الرياض أي وقت في تقديم نفسها كمركز لدبلوماسية ترامب في الشرق الأوسط، فلم يكن ولي العهد السعودي أول زعيم أجنبي يتّصل به الرئيس الأميركي فحسب، بل إنّ المملكة تستضيف الآن محادثات أميركية – روسية بشأن أوكرانيا، وعرضت التوسّط بين واشنطن وطهران بشأن اتفاق نووي جديد.

لكن هناك احتمالا لحدوث احتكاك بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربية إذا تم استئناف حملة الضغط القصوى ضد إيران، خاصة وأنّ هذه الدول الخليج استثمرت بشكل كبير في الدبلوماسية لإقامة علاقات مستقرّة مع طهران.

بالنسبة لإيران، فإنّ الضغوط المتزايدة من الولايات المتحدة ستجبرها على إعادة النظر في خيار الأسلحة النووية، حتى مع خطر تنفير جيرانها في الخليج. وسيولي القادة العرب في الخليج وإيران اهتمامًا للمؤسسات التجارية ونهج ترامب الشخصي في السياسة. وعلى أية حال، فإنّ التوقّعات من إدارة ترامب ستكون مرتفعة إلى حد كبير.

والأمر المهم هنا هو الحفاظ على المظلّة الأمنية الأميركية في المنطقة، والتي صمدت أمام اختبار الزمن على الرغم من التقارير السابقة التي أشارت إلى تقليص أو تعديل حجمها. وكما كتب تشاوشيسكو كوك، وهو جنرال نشط في هيئة الأركان المشتركة في البنتاغون، فإنّ دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يتطلّب نهجًا “مرنًا وقابلًا للتطوير”، والذي على الرغم من أنه قد يكون مربَكًا، فإنه يُظهر “الاستقرار الاستراتيجي” في الاستجابة “للتهديدات قصيرة الأجل والهدف الطويل الأجل المتمثّل في تعديل وضعها العسكري لمواجهة التحديات المستقبلية”.

وعلى مستوى منطقة الخليج، فإنّ أدنى تصوّرٍ للتراجع الأميركي من شأنه أن يثير قلقًا إقليميًا. ولذلك، وفي ظل بيئة جيوسياسية غير مؤكدة، يظلُّ الحفاظ على الملكية الإقليمية هو المسار الأكثر مصداقية للمضيِّ قدمًا.

إن المعلومات، الآراء والمصطلحات المذكورة في هذه المقالة المترجمة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجادة وإنما تعبّر عن رأي كاتبها أو المؤسسة حيث جرى نشرها أولًا

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: