الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة19 فبراير 2025 12:06
للمشاركة:

عقيدة عباس عراقجي التفاوضية: بين عودة ترامب وانقلاب الموازين الإقليمية

في عالم الدبلوماسية الدولية المعقد، نادرًا ما تظهر لحظات من المشاعر الجياشة، لكنها تكون كاشفة عند حدوثها. واحدة من تلك اللحظات كانت خلال المفاوضات النووية المكثفة بين إيران والقوى العالمية، عندما انهمرت الدموع من عيون ويندي شيرمان، وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية. كان ذلك المشهد تجسيدًا للضغوط الهائلة والرهانات المرتفعة التي تحكم عالم المفاوضات الدبلوماسية.

لكن بالنسبة للإيرانيين، فإن المفاوضات ليست مجرد لقاءات رسمية بين الدبلوماسيين، بل هي فن متأصل في الثقافة الإيرانية. ففي أسواق البازار الإيرانية، حيث التجار المخضرمون يساومون على الأسعار، لا يبدأ المفاوض بالمبلغ الحقيقي الذي يريد الحصول عليه، بل يضع رقمًا أعلى ليخلق مساحة للتفاوض. هذه الاستراتيجية القديمة نفسها انعكست في طريقة إيران في التفاوض على الاتفاق النووي. عباس عراقجي، وزير خارجية إيران وأحد الشخصيات المحورية في هذه المفاوضات وكبير المفاوضين النوويين الإيرانيين، وثّق هذه التجارب في كتابه المهم “قوة التفاوض”، والذي يوضح كيف تتداخل الحكمة التجارية للبازار مع فنون الدبلوماسية الحديثة.

عصر جديد في العلاقات الأميركية- الإيرانية

شهد المشهد السياسي العالمي تحولات كبرى في الأشهر الأخيرة. ففي نوفمبر 2024، حقّق دونالد ترامب عودة تاريخية إلى البيت الأبيض، ليصبح الرئيس الـ47 للولايات المتحدة، وهو ثاني رئيس أميركي يخدم فترتين غير متتاليتين بعد غروفر كليفلاند. وقد جاء فوزه الانتخابي بعد حملة ركّزت على قضايا الأمن والجريمة والهجرة والاقتصاد، مع تعهدات بإعادة سياسة “الضغط الأقصى” على إيران، التي تبناها خلال ولايته الأولى.

في المقابل، شهدت إيران تحولًا سياسيًا جوهريًا عقب وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي في حادثة تحطم مروحية مثيرة للجدل، حيث انتُخب مسعود بزشكيان رئيسًا جديدًا في يوليو 2024. بزشكيان، المعروف ببراغماتيته واعتداله، قام بتعيين عباس عراقجي وزيرًا للخارجية. وعراقجي، الذي يتحدث الإنجليزية بطلاقة ويحمل شهادة دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كِنت البريطانية، يعدّ أحد أكثر الدبلوماسيين الإيرانيين خبرة، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي والعلاقات الدولية.

المفاوضات بين “نهج خامنئي” وسياسة “الضغط الأقصى” لترامب

لطالما كانت المفاوضات في إيران محل جدل داخلي. القائد الأعلى، علي خامنئي، كان دائمًا متشككًا في نوايا الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، مؤكدًا على أن “أميركا لا يمكن الوثوق بها”، وأن التفاوض معها يجب أن يتم بحذر شديد. ومع ذلك، لم يغلق الباب بالكامل أمام المفاوضات، بل كان يسمح بها ضمن إطار استراتيجي مضبوط، حيث يرى أن المفاوضات ليست هدفًا بحد ذاتها، بل أداة لتحقيق المصالح الوطنية.

على الجانب الآخر، انتهج ترامب خلال ولايته الأولى سياسة “الضغط الأقصى”، والتي انسحب بموجبها من الاتفاق النووي في 2018 وفرض أشد العقوبات الاقتصادية على إيران، بهدف دفعها إلى الركوع والقبول باتفاق جديد بشروط أميركية. لكن على الرغم من الضغوط الهائلة، لم تؤدِ هذه السياسة إلى استسلام إيران، بل دفعتها إلى زيادة تخصيب اليورانيوم وتقوية علاقاتها مع روسيا والصين. الآن، مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، يواجه عراقجي، كرئيس للدبلوماسية الإيرانية، معضلة التعامل مع نسخة مكررة من الضغوط الأميركية، ولكن في سياق سياسي وإقليمي جديد معقد.

انقلاب الموازين الإقليمية وأثرها على أوراق إيران التفاوضية

شهد الشرق الأوسط تحولات عميقة خلال العامين الماضيين، كانت لها انعكاسات مباشرة على قدرة إيران التفاوضية. الحرب التي اندلعت بين حزب الله وإسرائيل في 2023 انتهت باتفاق فرض على حزب الله الانسحاب إلى ما وراء نهر الليطاني، ما يعني عمليًا إبعاد إيران وحلفائها عن الحدود المباشرة مع إسرائيل. هذا التغيير أضعف تأثير إيران وفرصة الاستفادة من نفوذها على الجبهة اللبنانية في عملية الضغط في أي مفاوضات مقبلة.

لكن التحول الأكثر تأثيرًا جاء مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وهو ما يمثل ضربة استراتيجية كبرى لإيران. كانت سوريا الركيزة الأساسية لمحور المقاومة، والبوابة التي مكّنت إيران من بناء نفوذ إقليمي يمتد إلى لبنان وغزة. اليوم، ومع انهيار نظام الأسد، فقدت إيران وجودها العسكري المباشر عند الحدود السورية مع الجولان، مما يحدّ من قدرتها على تشكيل تهديد استراتيجي لإسرائيل في أي مواجهة مستقبلية.

في قطاع غزة، أدت الحرب الإسرائيلية على حماس إلى إنهاك الجناح العسكري للحركة، وإضعاف قدراتها الهجومية بشكل غير مسبوق. في السابق، كانت إيران تعتمد على حماس كمكوّن أساسي في “محور المقاومة”، لكن اليوم، تبدو الحركة في أضعف حالاتها عسكريًا وسياسيًا.

يضاف إلى ذلك الضغوط الاقتصادية المتزايدة داخل إيران، حيث تسببت العقوبات وانخفاض النفوذ الإقليمي في ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وتزايد الاحتجاجات الشعبية. هذا المشهد يفرض على بزشكيان وعراقجي البحث عن حلول جديدة تتجاوز النهج التقليدي للمفاوضات، في ظل بيئة تفاوضية باتت أصعب مما كانت عليه في 2015.

إعادة قراءة قوة التفاوض في السياق الراهن

في ظل هذه التغييرات الجذرية، تصبح الدروس المستخلصة من كتاب قوة التفاوض أكثر أهمية من أي وقت مضى. في مفاوضات الاتفاق النووي، أدرك عراقجي أن إيران ليست الطرف الأقوى اقتصاديًا، لكنها قادرة على تحقيق مكاسب عبر استخدام أساليب التفاوض الذكية. ومن هنا، تبنّت إيران استراتيجية المقاومة المتدرجة، حيث ترفع من سقف مطالبها ثم تعود لتقديم تنازلات محسوبة، كما يحدث في أسواق البازار الإيراني.

المستقبل: الدبلوماسية في ظل التغيير

تشكل التحولات السياسية الإقليمية والدولية تحديات غير مسبوقة أمام إيران. ففي حين يعيد ترامب سياسة “الضغط الأقصى”، يتبنى بزشكيان نهجًا أكثر براغماتية واعتدالًا، مما يفتح المجال أمام مسارات تفاوضية قد تكون مختلفة عن السنوات السابقة. لكن انهيار النظام السوري، وإبعاد حزب الله عن الحدود، والضعف العسكري لحماس، والضغط الاقتصادي الداخلي يجعل الوضع أكثر تعقيدًا.

يبقى كتاب قوة التفاوض شهادة حية على أهمية الدبلوماسية كأداة أساسية لحل النزاعات وبناء التفاهمات الدولية، لكن الأسئلة الكبرى تبقى قائمة: هل ما زال لدى إيران ما يكفي من الأوراق التفاوضية؟ وهل تستطيع حكومة بزشكيان الجديدة التكيف مع البيئة الإقليمية والدولية الجديدة؟

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: