إسرائيل تؤجّل انسحابها من لبنان.. ماذا بعد؟
عشية نهاية مهلة الـ60 يوما التي حددها اتفاق وقف إطلاق النار لانسحاب الجيش الإسرائيلي من مناطق احتلها جنوب لبنان، تخرج من إسرائيل تصريحات وقرارات اعتبرها كل من حزب الله والحكومة اللبنانية تناقضًا مع ما ينص عليه الاتفاق.
ولمّحت تل أبيب مرّات عدة عن رغبتها بتمديد فترة احتلالها العسكري لبعض القرى اللبنانية الحدودية، وسط تمسّك لبناني بتنفيذ الانسحاب في موعده المحدد.
وفيما يستعد سكان البلدات جنوب لبنان من أجل العودة إلى قراهم الأحد المقبل بموجب الاتفاق، تبقى الأنظار موجهة إلى التطورات الميدانية واحتمالات التصعيد بين الطرفين على خلفية الموقف الاسرائيلي الأخير.
تمديد إسرائيلي
أعلنت إسرائيل رسميًّا الجمعة عدم انسحاب جيشها من جنوب لبنان في الموعد المحدد، وهو الأحد 27 كانون الثاني/ يناير الجاري، وأكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجمعة “أن انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان سيستمر لأكثر من 60 يومًا لأنّ اتفاق وقف إطلاق النار لم يُطبَّق بعد بشكل كامل”.
وأضاف مكتب نتنياهو أنّ عملية الانسحاب التدريجي ستستمر بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، وأنّ إسرائيل لن تعرّض مستوطناتها ومواطنيها للخطر، حيث ستصرّ على التنفيذ الكامل لهدف القتال في الشمال وهو العودة الآمنة للمستوطنين إلى منازلهم.
وترافق موقف الحكومة الإسرائيلية هذا مع دعم من المعارضة الإسرائيلية، حيث قال رئيس حزب المعسكر الرسمي المعارض بيني غانتس إنه لا ينبغي للجيش الإسرائيلي الانسحاب من المنطقة العازلة في جنوب لبنان، مشدّدًا على ضرورة استمرار العمليات العسكرية ضد أي انتهاك من قبل حزب الله، بغض النظر عن حجمه.
وأكد غانتس أنّ إسرائيل يجب أن تصر على تنفيذ الاتفاق بالكامل من قبل الحكومة اللبنانية، داعيًا أن تكون الأولوية لضمان أمن سكان الشمال ومنع إعادة تشكيل التهديد الذي يواجه المستوطنات الشمالية.
كما صرح السفير الإسرائيلي في واشنطن مايك هرتسوغ إنّ “الحكومة الإسرائيلية تسعى للاحتفاظ بمواقع عسكرية في جنوب لبنان بعد موعد الانسحاب النهائي في اتفاق وقف إطلاق النار”، معتبرًا أنّ الاتفاق “ليس مقدسًا” وأنّ إسرائيل تعمل على تعديله بما يخدم مصالحها الأمنية.
تمسّك لبناني بالانسحاب
وفي ظل هذه التصريحات والموقف الأميركي الضبابي من القرار الإسرائيلي، يُظهر لبنان موقفًا موحّدًا بين رئاستي الجمهورية والبرلمان في التمسك بالمهلة التي حددها اتفاق وقف إطلاق النار، حيث أكد رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون خلال اتصالاته مع عدد من العواصم الغربية والعربية المعنية على ضرورة عودة الاستقرار إلى لبنان، محذّرًا من التداعيات المترتبة على تفلُّت تل أبيب من الاتفاق.
ودعا عون الإدارة الأميركية الجديدة، مع وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، لممارسة نفوذها على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وإلزامه بوجوب التقيُّد بمضامين الاتفاق.
ورغم عدم إصدار أي تصريحات تكشف عن الموقف الأميركي من الخطة الإسرائيلية، لكنّ المعلومات تشير إلى دعم أميركي لطلب إسرائيلي بتمديد وجود القوات الإسرائيلية لمدة 30 يومًا إضافية.
من جهة اخرى، شدّد رئيس مجلس النواب نبيه بري خلال لقائه رئيس لجنة الإشراف على وقف إطلاق النار الجنرال الأميركي غاسبر جيفرز رفضه القاطع لأي تمديد لمهلة الانسحاب الإسرائيلي، مصرًّا على الالتزام بالمهلة المحددة ورفض أي ذرائع إسرائيلية. وقال: “لن نقبل بتمديد المهلة ولو ليوم واحد”.
كما طالب بري بوفاء واشنطن بتعهّدها بالضغط على إسرائيل للانسحاب فور انتهاء الأيام ال60 على تثبيت وقف إطلاق النار، برغم أنها ماضية في خرقة بتدميرها وجرفها عددًا من المنازل في معظم البلدات الجنوبية الحدودية.
ونقلت صحيفة الشرق الأوسط عن مصادر أنّ الجانب اللبناني أوكل أمره لواشنطن لضمان تطبيق الاتفاق، وأنه أبلغ واشنطن: “لا مانع أن يقتصر التمديد على أيام عدة، أما المطالبة بمهلة شهر فهذا مرفوض، ويُطلب منكم التدخّل على عجل لإلزام إسرائيل بضرورة التقيُّد بالمهلة التي حددها الاتفاق لسحب جيشها من الجنوب”.
من جانبه، أعلن حزب الله إنه لن يقبل بأي إخلال بالاتفاق والتعهّدات، وأهمها الانسحاب الاسرائيلي التام، معتبرًا أنه أيا كانت حجج وذرائع الاحتلال الإسرائيلي فهو “إمعان في التعدي على السيادة اللبنانية” ويستوجب التعاطي معه من خلال كافة الوسائل والأساليب والمواثيق الدولية لعودة الأراضي وتحريرها من براثن الاحتلال.
وفي بيان له، حذّر حزب الله من أي محاولة لإطالة أمد الاحتلال الإسرائيلي، مشدّدًا على أنّ “أي إخلال بالاتفاق لن يكون مقبولًا”، كما دعا الحزب الحكومة اللبنانية إلى الضغط على الدول الراعية للاتفاق لضمان تنفيذ الانسحاب الكامل، وانتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي المحررة، وعودة الأهالي إلى قراهم من دون تأخير.
آراء إسرائيلية ولبنانية
وفقًا لتقديرات المحلّلين الإسرائيليين، فإن تل أبيب تتذرّع بالبقاء لفترة أطول في جنوب لبنان من أجل تدمير البنية التحتية العسكرية لحزب الله الذي يستغرق وقتًا، وإنّ الجيش اللبناني يفتقر إلى الوسائل والأفراد للقيام بدوره في اتفاق وقف إطلاق النار، كما أن خط وجدار الدفاع الجديد الذي سيفصل بين المستوطنات الإسرائيلية المحاذية للسياج ولبنان لم يكتمل بعد.
وكشف المراسل العسكري لصحيفة “هآرتس” يانيف كوبويتس عن أنّ الجيش الإسرائيلي يجري تحضيرات للبقاء في جنوب لبنان لفترة أطول، مضيفًا أنه “على الرغم من تحضير المؤسسة الأمنية للبقاء فترة طويلة في جنوب لبنان، إلا أن الجيش لا يعتزم تجديد القتال مع حزب الله، لكن إسرائيل لا تخطط للانسحاب من أي منطقة إذا لم يتم الوفاء بجميع التزامات الجيش اللبناني فيها، وإثبات قدرته على فرض اتفاق وقف إطلاق النار”.
في المقابل، نقلت قناة “كان” أنّ الجيش الإسرائيلي يدرس تمديد بقائه في جنوب لبنان لتدمير بنى تحتية يعتقد بأنها تابعة لحزب الله، وقد أبلغت إسرائيل هذا التوجه للقوات الدولية والإدارة الأميركية.
ووفقًا لتقرير القناة، “يستعدّ الجيش الإسرائيلي لمحاولات حزب الله تقويض وقف إطلاق النار، نتيجة لبقائه في جنوب لبنان، وكذلك لمحاولات اللبنانيين العودة إلى القرى، حيث ستظل قواته موجودة”، مضيفةً أنّ “إسرائيل ترى أنّ قدرة الجيش اللبنانيّ على الانتشار بشكل فعّال في القطاع الشرقيّ بجنوب لبنان، وتدمير منشآت حزب الله التي تنتقل إليه من الجيش الإسرائيلي عبر الآلية الأميركية، لا تزال غير كافية”.
من جهتها، لفتت أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية ليلى نقولا إلى ما يمكن أن يترتّب على بقاء القوات الإسرائيلية من الناحية السياسية، حيث اعتبرت أنه في حسابات الربح والخسارة السياسية في لبنان، فإن إبقاء جيش الاحتلال سيحشر حلفاء الأميركيين في الداخل اللبناني، وسيحرج أي حكومة لبنانية مستقبلية، بحيث لن يمكنها منع اللبنانيين من ممارسة حق من حقوقهم المشروعة، وهو “تحرير الأرض ومقاومة الاحتلال”.
وأكدت نقولا في حديث نقله موقع قناة “الميادين” أنه بعد تسلّم الإدارة الأميركية الجديدة، سيكون من مصلحة الأميركيين أن يضغطوا على إسرائيل من أجل سحب قواتها من لبنان، من أجل تكريس المكاسب السياسية التي يريدون تحقيقها من خلال اتفاق وقف النار والتسوية السياسية التي يجرونها، حيث أنّ أي احتلال إسرائيلي سيُعيد تشريع العمل المقاوم اللبناني، ويُعيد الأمور إلى فترات سابقة، بحيث قاوم اللبنانيون إسرائيل وطردوا جيشها بعد تكبيده خسائر كبيرة.
قانونيًا نوّهت نقولا إلى أنّ المواثيق الدولية تصرّ على حق الشعوب في مقاومة الاحتلال وتحرير الأرض، وحق تقرير المصير الذي أقر حق مقاومة الاحتلال، وهو من المبادئ الآمرة في القانون الدولي.
وفي ظل تفاقم حدة التوتر في لبنان، ومع القرار الإسرائيلي الأخير بعدم الانسحاب الكامل من جنوب البلاد ضمن المدة المتفق عليها، ووسط تمسّك لبناني بتنفيذ الانسحاب في موعده المحدد، تتجه الأنظار مجددًا نحو الجنوب اللبناني، وتعود مخاوف عودة التوتر إلى الواجهة من جديد، كسيناريو لا يمكن إغفاله حتى في ظل بيان حزب الله الذي أظهر مرونة في التعامل مع القرار الإسرائيلي ولو على المدى المنظور، تاركًا أمر التعامل مع الانتهاك الإسرائيلي للاتفاق في عهدة الحكومة والدولة اللبنانية.

