الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة21 ديسمبر 2024 19:53
للمشاركة:

حزب الله… سُبات الدور الاقليمي؟

سواء كان منكفئًا عن الشأنِ اللبنانيّ الداخليّ أو طرفًا كبيرًا في مجرياته، بقي حزب الله في الحالة وعكسها بمنطلقاتٍ واحدة. 

في العقدين الأخيرين، كانت الوقائع الاقليميّة بمثابة البسملة في خطابه السياسيّ، وتصوّراته تجاه الأحداث اللبنانيّة والمجاورة امتدادًا حتى طهران وكاراكاس. ليس في ذلك ما يدعو للاستهجان، خصوصًا وأنّ معظم شؤون الشرق الأوسط محبوك بالسنانير الخارجيّة. تعزّز ذلك منذ غزو أفغانستان عام 2001، وأقبل بقوة مع الدبابات الأميركيّة التي غزت بغداد عام 2003. 

العراق… نقطة تحوّل 

بعد ذلك بفترة وجيزة، بدأ المشهد العراقي الجديد يقطع شوطًا واسعًا من التأثير في مسارات المنطقة وديناميّات العلاقات فيها. وكان حزب الله، عبر دوره في العراق، قد بدأ يصبح تدريجيًا لاعبًا إقليميًّا فاعلًا ومؤثرًا أكثر من قبل. أسباب كثيرة وضعت الحزب هناك: الاحتلال الأميركي، وتوازنات العلاقات العراقية الإيرانية المعقّدة ولا سيّما ضمن البيت الشيعي العراقي، وظهور “تنظيمات القاعدة”. كان كلّ ذلك ناسفًا لتصوّرات الحزب الأوّلية عن ضرورة منع الغزو الأميركي سياسيًّا، ولو كلّف ذلك المعارضة العراقيّة اتفاقًا مع النظام، شبيها باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهليّة اللبنانيّة، تمامُا كما نسفت الساعات الأولى من الغزو ما كان سائدًا ضمن أجواء الحزب من ترجيح بأنّ الغزو لن يحصل، وذلك بناءً على معلوماتٍ وتقديراتٍ إيرانيّة كانت تصل للحزب عبر القنوات الخاصة بين الجانبين. سرعان ما وجد الحزبُ بعد الغزو الأميركي والنفوذ الإيرانيّ، أنّ الدور في الأزمات الاقليميّة الرماديّة أكثر تعقيدًا من معارك الأبيض والأسود كالمعركة مع إسرائيل. لكنّه بدأ يتأقلمُ مع “الأقلمة” – بمعنى الدور الاقليمي – وقد تزامن ذلك مع بدء تأقلمه، أيضًا، مع دور سياسيٍّ داخليٍّ أكثر تعقيدًا، حيث بات جزءًا من الحكومات المتعاقبة، أي جزءًا أساسيًّا من السلطة في لبنان. 

الوجود في الحكومات 

اعتاد حزب الله مواجهة المعضلات السياسية والعسكريّة. كأنّها زاده الذي ينتقل به من حقبة إلى أخرى، في ترحاله الممتد منذ أكثر من أربعين عامًا، وفعليًّا، هو زاد من يقرّر مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. كانت القاعدة التاريخية في سيرة الحزب تقول إنّه كلّما اشتدّت معضلة في وجهه، تأتي معركةٌ كبيرة لتُخرجَ الحزبَ أقوى من ذي قبل، حيث يكفي تحقيق إنجازاتٍ بالنقاط في وجه الترسانة الإسرائيلية الضخمة. بالنسبة للحزب وقاعدته الشعبية العريضة، تجبُّ المعارك ما قبلها. تكرّس ذلك بعد تحرير الجنوب عام 2000. وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام ٢٠٠٥، واضطرار الحزب لملء الفراغ السياسي الناتج عن انسحاب الجيش السوري من لبنان، ثبّتت حرب تموز 2006 من جديد الحزب بصورته الأصليّة. مقاومة، لكن من داخل السلطة هذه المرّة. حينها رأى الحزب أنّ ضمانته لـ”حماية ظهر المقاومة” هي الوجود الوزاريّ المباشر في الحكومات، بعدما انتهت المعادلة القائمة على الفصل بين العمل المقاوم وشؤون الداخل خلال فترة الوصاية السورية على لبنان.

الشطرنج الاقليمي 

عام 2007، أطلّت إشارة إقليميّة طفيفة لكنها دلاليّة في الوقت نفسه. بعد إعدام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، بالتوقيت والطريقة التي أعدِمَ فيهما، لوحظ، حينذاك، أنّ مواطنين سوريين استبدلوا صور السيد حسن نصر الله في بيوتهم ومحالهم، بصور صدام حسين. ظاهرة انتقلت إلى لبنان، وعزّزت الإسقاطات الاقليمية على المتاهة اللبنانية. تشابك المسارات الداخلية بالاقليمية، رسم للحزب طريق المعضلات المكثّفة، أو بلغةٍ أكثر وضوحًا، الأدوار التي أجهدَت الحزب. 

أصبح لاعب شطرنج على أكثر من رقعة إقليميّة، وفي الوقت نفسه، حجرًا مؤثرًا في الرقع التي تدور اللعبة فيها. في لبنان ملك بكوابح التوازنات الطائفيّة، وفي العراق وزير مؤثّر في البيت الشيعيّ بفعل عروبةٍ لا تملكها إيران، وفي سوريا حصان أسود حمى حليفه ليحمي خطوط إمداده، وفي اليمن قلعة عسكريّة وإعلاميّة يحاول حلفاؤه هناك التشبّه بمعظم تفاصيلها. الخيط المتين الذي يجمع هذه البلدان المأزومة، هو التشابك الكبير فيها بين الداخلي والاقليمي والدولي، وبلغةٍ أكثر وضوحًا، تشابك الصراعات الاقليمية والدولية على السلطة داخل هذه البلدان مع الحقوق الشعبية المشروعة. كانت مقاربة الحزب لهذه الأزمات إقليميّة لا شعبيّة، وسرعان ما ظهر ذلك في الأداء. 

عمومًا، انعكس ذلك على لبنان سلبًا لثلاثة أسباب: 

  • موضوعيٌّ مرتبطٌ بتأثّر لبنان بالأزمات في محيطه. 
  • سياسيٌّ أمنيٌّ ناتج عن دور الحزب في هذه الأزمات الداخليّة – الاقليميّة (بمعزل عن أحقيّة ذلك من عدمها).
  • سياسيٌ أمنيٌّ ناتج عن تدخل خصوم الحزب في الأزمات الاقليميّة (عسكري وأمني وسياسي في سوريا، سياسيّ وإعلاميٌّ داعم للسعودية في حرب اليمن. لكنّه كان تدخّلًا أقلّ من حجم تدخّل الحزب لأسباب عديدة وأيضا بمعزل عن أحقيّته ومنطلقاته). 

العقل الاقليمي يتوسّع 

سنوات مكثّفة بالمعارك والأزمات كانت كفيلة بتعزيز نظرة الحزب إلى الأزمات كهندساتٍ خارجيةّ. هكذا، تحوّل الأداء تجاه الأزمات الداخليّة إلى ما يشبه مسائل حسابيّة يتمُّ حلّها بعقلٍ ومقاربةٍ إقليميّتين. أنتجَ الحزبُ خطابًا مقنعًا لمعظم أنصاره، محوره رجحان أسباب الخارج في أزمات الداخل. اكتفى بشعارات داخلية وانتخابية ظهر مع الوقت أنّ الحزب لم يكن قادرًا على تحقيقها، على افتراض نيّته بذلك. لكنّ التماسك في الخطاب بدأ يتفكّك تدريجيًّا مع بروز التباينات الكبيرة بين الواقع الداخليّ في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وبين سرديّات الحزب عن هذا الواقع. 

في سوريا، انتهى فصل كبير من الحرب عام 2017. كان لافتًا تعبير فئة واسعة عن مزاجٍ يميل إلى تحسين العلاقات مع دول الخليج، وعبّر عنه مؤثرّون وفنانون والكثير من الشباب الذي سافر إلى الإمارات العربية المتحدة خصوصا. ربّما لاحظ الحزب ذلك معطوفًا على انزعاجٍ متابين بين فترة وأخرى من الدور الإيراني. لكنّ قراءة المشهد السوري بقيت إقليميّة جدًا، فيما ظهر لاحقًا أن المزاج الداخلي هناك يرفض هذه النظرة. كان واضحًا أن الحزب أولى الأهميّة للبُعد الإقليميّ في كلّ الأزمات التي لعب دوره فيها، حليفًا لإيران ورأس حربةٍ لتحالفها العسكريّ في المنطقة. كان لافتًا كيف ربطت طهران الحزب بخطواتها الاقليميّة، بينما تجاهلت أداءه في الداخل اللبنانيّ ولم تضغط عليه في أيّ مسألةٍ كان أداؤه فيها يؤسّس لأزمةٍ تطاله تداعياتها قبل غيره. في العموم لم تضغط طهران على حلفائها للسير في بناء دولهم كدول، وهذا ما جنت على إثره حضورا مؤثرا انتهى بانتكاسة كبيرة.

البلدان هم الحلفاء 

تأثّرت شخصيّة الحزب وعقليّته تدريجيًّا بحلفائه. عبّر الخطاب الرسميّ عن ذلك. كان خطأً فادحًا الإصرار على عباراتٍ كـ “سوريا الأسد” وعدم التدخل الجاد لدى النظام السوري السابق لتغيير سياساته الداخلية وأداء أجهزته، علمًا أنّ ذلك كان مادةً معروفة ومنتشرة في أوساط الحزب بمختلف طبقاتها. مخطئ من يظنّ أنّ دعم الحزب للنظام السوريّ السابق كان عن قناعة به وبأسلوب حكمه. كان خيار الضرورة بالنسبة للعقل الاقليمي للحزب، حيث المكان المحجوز للتيارات الشعبية ومطالبها أصغر بكثير من المكان المحجوز للتسويات بين اللاعبين الاقليميين. 

لم يكن موفّقًا الإصرار على الحديث عن العراق كمقاوم للنفوذ الأميركي في المنطقة، بينما الأداء والتسويات هناك خلاف ذلك. كذلك برز تقديم صورة أيقونيّة لحركة “أنصار الله” في اليمن، مع تجاهلٍ لتشعّبات الأزمة اليمنيّة داخليًّا، علمًا أنّ المشهد اليمنيّ أعقد من حصره ضمن ثنائيّة الملائكة والشياطين، وبمعزل عن ضراوة الحرب السعودية وارتكاباتها هناك. وقبل ذلك كلّه، لم يكن الحزب مجبرًا، وليس مجبرًا الآن أيضًا، على الخطاب الترويجيّ لإيران حدّ المبالغة في كثير من الأمور، وتقديم إيران نموذجًا تصبو إليه مجتمعات المنطقة فيما يختلف معه إيرانيّون كثر من النقد الحريص إلى المعارضة الشرسة، ولا مجبرًا على تقديم الأزمات الداخليّة الإيرانيّة على أنّها صراعات إقليميّة فقط. 

شراء الوقت في لبنان 

كلّ ما سلف، انعكس في لبنان حيث نقطة ارتكاز الحزب وثقله الأكبر. برز ذلك في طريقة فهم الحزب لما جرى في 17 تشرين الأول، بعد سنواتٍ من الأزمات السياسية الداخليّة. حينها، كان الحزب كمن قرّر شراء الوقت عبر حماية النظام السياسيّ اللبنانيّ الهزيل المنخور بالفساد الإداري، بقناعةٍ مفادها أنّ هذا الواقع السيّء هو أفضل الموجود لحماية المقاومة. تركّز الجهد على تفعيل الخطاب حول التدخّل الخارجي الموجود فعلًا، ونجح الحزب في ذلك، بعدما أُفرغت الساحات من الخميرة الشعبية الحقيقية القادرة على إنتاج تعديلاتٍ يحتاجها المواطن اللبنانيّ اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا. في الليلة التي هزّت النظام السياسي اللبنانيّ كان معظم المتظاهرين من داعمي الحزب. وكان خطاب الكثيرين منهم وما زال حتى اليوم، يقوم على فكرة أساسيّة جوهرها أنّ حماية المقاومة والبلد لا يمكن أن تتمّ عبر نظامٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ فاسد. لكنّ الحزب كان يرى بعينٍ إقليميّة فقط تجمع بين بغداد وبيروت وربّما طهران في حينها. وبالعين نفسها كان يستشرف انتقال مشاهد الدم بعد انتقال شيء من تظاهرات الربيع العربي إلى بيروت. وبدلًا من بذل الجهد الحقيقي لإصلاح ما فسد في العراق ولبنان، اتخّذ الخطاب السياسيّ والإعلاميّ منحىً تصعيديًّا، واستهزائيًّا، بكلّ خطابٍ تغييريٍّ أو حتى “تعديليٍّ” حريص. شكّل هذا الخطاب غطاءً لمعركة لم يكن من لزوم لها مع الكثير ممّن دعموا الحزب وأيّدوه في مسألة المقاومة. الحرب الأخيرة أظهرت أنّ معظمهم بقي على موقفه رغم الحدّة والخطاب القاسي من جانب الحزب في فترة سابقة، وهذا ينطلق من قناعاتهم وليس خوفًا من أحد. 

وللإنصاف، لم يكن ذلك لأن الحزب لا تهمّه شؤون “ناسه” بالمعنى الواسع للكلمة. وقائع عديدة تشير إلى خلاف ذلك. لكنّ الأزمة تكمن في أنّ الحزب ربط بين الهمِّ المعيشيِّ والحقوقيِّ اليوميِّ وبين الأسباب الاقليميّة الصراعيّة على نحوٍ شديد جدًا، وحصر المقاربات دائمًا ضمن ثنائيّاتٍ حادّة. ولذلك، لم يخض الحزب معركة الداخل بأساليب سياسية أو غيرها. مثلًا، لم يخض معركة سياسيّة لفرض إصلاح القطاع الكهربائي عبر محطات مجانيّة تقدّمها دول كإيران أو غيرها. مثال آخر، لم يبذل الحزب أي جهد صراعيٍّ ملموس ضدّ ما فعلته المصارف السارقة بأموال اللبنانيّين. لم يكن ذلك مطلوبًا منه وحده، ولا شكّ هنا في أنّ معظم خصومه ليسوا موثوقين إطلاقًا في حديثهم المتكرّر عن بناء الدولة. سلوكهم وخطابهم يؤكدان ذلك. الشواهد كثيرة، وكانت تنعش خطاب الحزب أمام جمهوره. الآخرون ليسوا جاهزين وليسوا سوى انعكاس لتدخلات خارجيّة. وقد وجد خطاب الأسباب الخارجية معقوليّته بعد خلو الساحة إلّا من خصوم الحزب الذين كان حضورهم وعددهم قليلا جدًا في البدايات. أتاح ذلك لهم توجيه مسؤولية الأزمات الداخلية ضد الحزب بعدّما تصدّى سياسيًّا لموقع حماية “ستاتيكو” النظام اللبناني. حاول الحزب إيجاد الحلول على طريقته، مثلاً عبر إنشاء شبكة اجتماعيّة خاصة لتأمين السلع والمساعدات،. كان لافتًا إحضار المحروقات من إيران مثلًا. خطوة لم تستكمل، وربّما كانت لتكسر هيمنة الكارتيلات الفاسدة في لبنان لو أُتبعت بمعركة سياسيّة وشعبيّة داخلية تعيد الاعتبار إلى حقّ المواطن أينما كان موجودا على ربوع الخريطة اللبنانيّة.. كان يمكن لذلك أن يؤدّي إلى حصارٍ أميركي اقتصاديٍّ مثلًا. لكنّ الحزب على الأقل كان يمكنه حينها إلقاء الحجّة الإصلاحيّة الواضحة، بدلًا من مسايرة مخاوف سلطويّة كثيرة في البلد بهدف منع نشوء خطاب عام ضد المقاومة. طرح أمينه العام السابق السيد الشهيد حسن نصر الله التوجّه شرقًا كحلٍّ للأزمة المستعصية. لم يكن ذلك واقعيًّا بنظر الكثيرين من حلفاء الحزب أو خبراء الاقتصاد والسياسة، وقد أظهرت الحرب الاقليميّة الأخيرة، وما زالت،  أنّ النظرة إلى الصين وروسيا مشوبة بمبالغاتٍ كبيرة عن قدراتهما ونواياهما. 

إسناد غزة.. ثم العودة للداخل  

في المحصّلة، لم تكن الجرأة على مقاربة الشأن الداخلي ومواجهته واضحةً كالجرأة في مقاربة الشأن الاقليميّ ومواجهته. ولذلك كان إسناد غزّة قرارًا سريعًا، وحاسمًا، وأخلاقيًّا إلى أبعد الحدود مهما تمّ انتقاده. وللمفارقة، ولعلّها غريبة بعض الشيء، فإنّ أكثر الأوقات التي نظر الحزب فيها إلى الداخل على نحوٍ مكثّفٍ من الحرص كانت خلال معركة الإسناد. بذل كل جهدٍ ميدانيٍّ وسياسيٍّ ممكن لتحييد لبنان عن مخاطر الحرب الإسرائيلية المنطلقة بفعل الإبادة المستمرة في غزة. لكنّ المحظور وقع. شلّال من المعضلات يهطل على الحزب في لحظة ضمور دوره الاقليميّ، وتراجع تأثير السياسات الداخلية على مسألة المقاومة، خصوصًا بعد القبول ببنود اتفاق وقف إطلاق النار. تُظهر خطابات الأمين العام الجديد الشيخ نعيم قاسم واقعيّةً ملحوظة في التفاعل مع المسارات الداخليّة الجديدة، ومع المسارات الاقليميّة المتغيّرة في غير صالح إيران وحلفائها. الانكفاء إلى الداخل يبدو استثمارًا مفيدًا للحزب للنجاة بفكرة المقاومة وما بقي من مداميكها العمليّة، رغم أنّ المؤشرات لا تدعو للتفاؤل بشأن ملاقاة الحزب في منتصف هذه الطريق. يتعامل خصومه بحقدٍ شديد وزهوٍ كبير بانتكاسته التي كان دورهم فيها إعلاميًّا وسياسيًّا لا أكثر. سيواجه الحزب الكثير من التشفّي الداخليّ وسيضطر لابتلاعه وإدارة الأذن الصمّاء. الحاجة اليوم بالنسبة إليه هي التغيير نحو التأقلم مع مشهد داخليّ جديدٍ متأثّرٍ بإقليم يرى معظمه في الحزب خصمه. هل يستطيع الحزب المواجهة بخطاب الأمس؟ على الأرجح لا، والأكثر شعبية على الأرجح سيكون خطاب لقمة العيش والإعمار أولًا، ثمّ سياسات إقليميّة براغماتية بدرجة ملحوظة. من لا يعدّل في السياسة لا يبقى مكانه محفوظًا. كانت تلك أكبر أخطاء نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد. لم يتغيّر بعد نهاية الجولة الأولى من الحرب الطاحنة عام  2017 بانتصاره عسكريًّا مدعومًا من حلفائه. لم يوقف النظام ارتكاباته وسلوكياته التي أدّت إلى الفرح السوريّ الواسع بسقوطه. لم يتغيّر، فانهار عند منعطف إقليميٍّ دوليٍّ قاسٍ من دون أن يجد سندًا داخليًّا. سيواجه الحزب معضلة الأداء الجديد المكثّف في الداخل، وقد بات مطلبًا لفئة واسعة من مؤيّديه وأنصاره بعد الانتكاسة الكبيرة التي أصابت آمالهم. ومع الأخذ في الاعتبار أن هذا التغيير ليس سهلًا، فإنّ الحزب يملك ما لا يملكه حلفاؤه السابقون والحاليّون. يملك قاعدة جماهيريّة تثق به نتيجة تضحيات قادته وعناصره وصدقهم في الميدان، وتشاركه هذه التضحيات عن قناعة. إنّها ذخيرة لإنتاج خطاب جديد حول الدور في لبنان، وإعادة هندسة العلاقة مع المحيط بشروطٍ ستكون قاسيةً بعض الشيء ولفترة ملحوظة. يحتاج الحزب ذلك بواقعيّة، كي لا يكون مصير الداخل بعد سنواتٍ قليلة كمصير خطّ الإمداد من سوريا، وهذا ليس تفصيلًا. 

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: