الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة15 ديسمبر 2024 20:27
للمشاركة:

سجادة إيران تتمزق: هل يفيد الرتق؟

كان المشهد خارجا عن المألوف. المئات من مقاتلي حزب الله يصطفون في عرض عسكري في القرداحة أمام الإبن الثاني للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في حزيران من العام ٢٠٠٠، بعد أيام من وفاة الأسد الأب بعد صراع مع السرطان.

وقف الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله إلى جانب بشار الأسد ووزير الدفاع مصطفى طلاس يستعرضون معا المقاتلين المرتدين للباس الأسود، لباس قوات التعبئة في حزب الله في رسالة تبدت مفاعيلها التنفيذية بعدها بإثني عشر عاما عندما أضحت رئاسة الأسد ونظامه محل تهديد.

بالنسبة لحزب الله وإيران، سورية رئة التنفس الأصلية وكما أطلق عليها يوما قلب العروبة النابض، فهي كانت قلب المحور ونقطة القطع والوصل منذ أن بدأت فكرة المحور بالتشكل عام ١٩٨٢. حينها كان الإجتياح الإسرائيلي للبنان قد وصل العاصمة بيروت بالتزامن مع انسحاب القوات العراقية من مدينة خرمشهر الإيرانية في خضم الحرب الإيرانية العراقية. وللمفارقة كانت الحرب بين نظام يحكمه حزب البعث في العراق وبين نظام إسلامي يختلف في كل شيء مع فكرة البعث. والمفارقة الأكبر أن شقاق البعثين العراقي والسوري فتح فرصة أمام الجمهورية الإسلامية لتوطيد تحالف سيسمح لها بارسال مجموعة من الحرس الثوري بقيادة الضابط أحمد متوسليان لبناء معسكرات في سورية ولبنان. هكذا بدأت القصة من معسكر في منطقة الزبداني واستمرت حتى سقوط نظام بشار الأسد بهروبه منتصف ليل الثامن من كانون الأول ديسمبر ٢٠٢٤.

المشهد الثالث في دمشق في آب ٢٠١٢. بحسب رواية اللواء حسين همداني، قائد قوات الحرس الثوري السابق في سورية والذي اغتيل في حلب في العام ٢٠١٥. كان الثوار قد وصلوا إلى منطقة المزة والرئيس السوري بشار الأسد يبحث عن مكان يهرب إليه، وروسيا تحديدا كانت خياره الأول. يتدخل قائد قوة القدس حينها قاسم سليماني، الذي اغتالته أميركا لاحقا في العراق في كانون الثاني يناير ٢٠٢٠، ليقنع الأسد بالبقاء والقتال للحفاظ على نظامه، وللحفاظ على نقطة الوصل للمحور. كلفت الحرب المحور الذي تقوده إيران ما يزيد عن العشرين ألف من المقاتلين، من لبنان والعراق وسورية وباكستان وأفغانستان وإيران. رغم ذلك، أتت اللحظة التي لم يفكر بها قادة إيران أو حزب الله. هرب الأسد ولم يكن هناك من يمنعه عن ذلك، بل إن روسيا، حليفته الأولى، قدمت سلامته الشخصية على كل شيء آخر، وإيران نفسها لم تستطع أن تفعل شيئا لتنقذه مرة ثانية.

قبل أيام من فراره، التقى الأسد بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في دمشق، وكان قد عاد لتوّه من زيارة استمرت لأربعة أيام إلى موسكو، حيث أودع زوجته وأولاده. هناك حيث درجة الحرارة في الشتاء تنهار دون الصفر بشكل عنيف، خارت قوى الأسد وهو يتلقى الأخبار الواردة عن انطلاق هجوم واسع للمعارضة وتساقط المناطق واحدة تلو الأخرى دون قتال يذكر. أصرّ على مضيفه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعمه لصد الهجوم، فجاءه الرد بأن  عليه أن يتكيف مع واقع جديد سيكون فيه للمعارضة اليد العليا. نصيحة أخيرة اسداها بوتين للرئيس الذي سيخلع بعدها بأيام، أن يتلقف الحل السياسي وأن يتجهز للقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد ذلك.

غادر الأسد موسكو تاركا خلفه عائلته، ووصل قبل ساعات قليلة من وصول الوزير الإيراني. يقول مصدر دبلوماسي رفيع إن طهران اكتشفت زيارة الأسد السرية إلى موسكو ولكنها شعرت بالقلق عندما علمت أنه مكث أربعة أيام هناك. الإشارات كانت تبدو سيئة بالنسبة لإيران التي استثمرت الكثير لتثبيت حكم الأسد على مدى عقد ونيف من الزمن. فإذا كان لبنان هو خط الدفاع الأول عن المحور، فإن سورية رئته التي يتنفس بها منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي. سقوط النظام في دمشق سيعني بالضرورة كسر حلقة الوصل الرئيسية في محور المقاومة وتحول حزب الله في لبنان إلى ما يشبه حال حماس في غزة المحاصرة من كل الجهات. كان واضحا بالنسبة للإيرانيين أن ما يحدث في سورية سيعمّق أزمتهم بعد الحرب الإسرائيلية في لبنان والتي شهدت تلقي حزب الله ضربات متتالية، وأهمها اغتيال أمينه العام السيد حسن نصر الله ومجموعة كبيرة من معاونيه وقادة حزبه.

وبينما استمر زحف المعارضة دون توقف، بدأ الأسد خطة محصورة بدائرة ضيقة جدا لتأمين خروجه بسلام نحو منفاه الاختياري في روسيا. للمرة الثانية خلال اسبوع يخفي الاسد عن حلفائه الإيرانيين خط سيره، يطالبهم بمساعدة عاجلة في ظرف ساعات، لكن المسؤولين الإيرانيين كانوا قد وصلوا إلى قناعة مفادها أن هناك ما يشبه الاستحالة في مساعدة رئيس لم يعد لديه جيش يقاتل. تواصل الإيرانيون مع الروس والأتراك بهدف الإتفاق على تسوية تمنع سقوط حليفهم. لكن القطار كان قد فات.

في العاصمة القطرية الدوحة، وقبل ساعات على هروب بشار الأسد، تداول وزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا على حدا في مسألة حل سياسي يضمن تسليما سلميا للسلطة. وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف بدا معترضا على الحوار مع هيئة تحرير الشام باعتبارها منظمة ارهابية بحسب التصنيف الروسي. لكن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نصحه بأن يقبل الحوار “لأنهم ربما يكونون غدا في دمشق ويكون الأسد خارج السلطة.”

لم يكن الأمر خافيا على لافروف الذي كان بدوره يخفي على عراقجي ترتيبات اخراج الأسد.

لطالما حضرت سورية في لقاءات المسؤولين الروس والإيرانيين على مدى السنوات الثلاثة عشر الماضية. كلاهما كان يرى في سورية امتدادا لأمنه الإقليمي ولمساحة عمل يعزز نفوذ كل منهما في مجاله الحيوي، لكن المجالين كانا متناقضين في الأهداف المتوسطة والبعيدة، لذلك كانت الجغرافيا السورية نقطة التقاء وافتراق في آن. التقاء على بقاء النظام وافتراق على دوره في محيطه، وهو ما ساهم اكثر في انقسام الولاءات على مختلف مستويات النظام وجيشه. يذكّر هذا بمقطع تاريخي من بدايات القرن الماضي، عندما دخلت بريطانيا وروسيا معا لحماية مصالحهما وسلالة القجار الحاكمة في إيران. تنازعت لندن وموسكو قالب الجبنة الإيراني لسنوات حتى سقطت المملكة وتولى رضا خان الحكم بعد إطاحة شاه القجار الأخيرة. ولعل المفارقة أن روسيا وبريطانيا عادتا خلال الحرب العالمية الثانية لاحتلال إيران واجبار الشاه رضا على التنحي عن العرش لصالح ابنه.

في المحصلة، أضحى جيش الأسد مضعضعا وغير مستعد للقتال، وحلفاء دمشق منقسمين ولديهم من تضاد المصالح ما يكفي ليكونوا مرتابين من بعضهم البعض، كما أن ما حدث في لبنان قبل أيام قليلة فقط، من وقف إطلاق نار بطعم السم تجرعه حزب الله، والخسائر التي تلقاها في الحرب الإسرائيلية من القدرة إلى القيادة والجغرافيا، كلها كانت تقول مسبقا إن شرق أوسطا جديدا في طور التشكّل. فحزب الله ليس مجرد فصيل آخر تدعمه إيران، بل رأس حربتها الإقليمية وخط دفاعها الأول، بعبارة أخرى قنبلة إيران النووية في المنطقة والتي كانت بها تفرض معادلات الإقليم. صبّت إسرائيل وزنها النوعي على قدرة الحزب، ويحسب للأخير بأنه رغم كل ما حدث بقي قادرا على المواجهة لكن إلى حين.

كانت تلك صفعة جديدة تتلقاها إيران بعد سلسلة من الإنتكاسات التي بدأت منذ تشرين الأول أوكتوبر ٢٠٢٣، عندما قرر زعيم حماس يحيى السنوار شن هجوم غير مسبوق على إسرائيل تلاه دخول حزب الله والفصائل العراقية وجماعة أنصار الله الحوثية في اليمن واحدة بعد أخرى فيما جرى الإصطلاح على تسميته حرب الإسناد. ومنذ الإسناد تحول قادة المحور إلى أهداف لإسرائيل تغتالهم واحدا تلو الآخر في ظل أضطراب ردع غير مسبوق من طهران إلى شواطئ البحر المتوسط، وغياب شبه كامل للجبهة السورية التي كان من المتوقع أن تلعب دورا في مثل هكذا معركة. بدأت المقتلة الكبرى بصالح العاروري، ليليه قادة ميدانيون في حزب الله والحرس الثوري، وقائد الحرس الثوري في لبنان وسورية محمد رضا زاهدي، وفي ليلة واحدة قائد غرفة العمليات في حزب الله فؤاد شكر ورئيس المكتب السياسي في حركة حماس إسماعيل هنية الذي جرى اغتياله في طهران. بعد ذلك بدا جليا أن الحرب الإسرائيلية قد دخلت وإن كان المحور لم يكن يتعامل بعد معها على أنها حرب، حاصرا نفسه في تصوّر غير واقعي جعله يدفع لاحقا الثمن باغتيال السيد نصر الله وقبله عملية البايجر والأجهزة اللاسلكية وبينهما اغتيال قادة كبار في حزب الله.

هذه الخلاصة لم تكن لتكون لولا الأخطاء الإستراتيجية الجسيمة التي ارتكبت على مدى عقد ونصف، وما يتأكد يوما بعد يوم من أزمة قيادة وتقديرات خاطئة  في منظومة محور المقاومة والتي قدمت لإسرائيل فرصة كانت تنتظرها منذ زمن لإعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية للمنطقة بأسرها ولفرض تحوّل على الدور الذي كانت الفصائل والأحزاب المنضوية تحت مظلة محور المقاومة تقوم به.

المعضلة الأصل التي كانت تواجه هذا المحور لم تكن التحالفات ولا الجغرافيا ولا العتاد ولا العديد. كل ما سبق كان متوفرا بشكل متفاوت لكن بما يناسب التحديات. المشكلة كانت في الإنكشاف الأمني والتردد في أخذ المبادرة، وهو ما جعل من الترسانة الهجومية الحاضرة للأستخدام صيدا للطائرات الإسرائيلية ولاحقا خلال العملية البرية غنائم جمعها جيش الإحتلال وهي لا تزال بأغلفتها. المشكلة الثانية الأكثر تعقيدا، كانت في الترجمة السياسية المستدامة لأي تقدم يُحرز، وتدعيم التقدم في أي ساحة بتحولات تناسب التقدم عينه. ففي سوريا على سبيل المثال، وبينما يتحدث اليوم المسؤولون الإيرانيون عن عناد الأسد وتعنته ورفضه للحلول السياسية، يطرح سؤال في المقابل عن الجهد الذي بذلته طهران ومحورها للدفع نحو حل سياسي حقيقي في سوريا ولتغيير سلوك النظام في الفترة التي أصبح فيها بقاءه أمرا واقعا غير قابل للنقاش في ظل تطبيع عربي للعلاقات معه. المشكلة هنا أن الاستثمار لم يأخذ اتجاها مستداما ليحفظ ما حققته طهران لنفسها ومحورها، وهو ما يمكن الاستدلال عليه في التجربة العراقية والحالة اللبنانية. ولعل ذلك مرده في الأصل إلى غياب المشروع المرحلي لدى إيران، برغم كل ما يقال عن مشروع إيراني في المنطقة. فحركة المحور لطالما ارتبطت بالحاجة العملياتية الميدانية دون أن تستند إلى خارطة طريق يمكنها في النهاية أن تتكامل وتتخادم، وهذا الذي جعلها عرضة للاهتزاز في لحظة. فمنذ الثورة الإسلامية تمركز الجهد إيران وحلفائها على افشال مشاريع خصومها، وهي بالتالي احترفت دور التعطيل، ونجحت في غير معركة حتى بات معيار الانتصار لديها افشال اهداف الأعداء. هكذا كانت تطبق اكثر فأكثر على إسرائيل من غير جهة لكن دون أن تصنع جذورا عميقة في مساحة الأنظمة الحاكمة والعملية الاقتصادية وطبقات المجتمع المختلفة.

“نسجت إيران سجادتها على مدى أكثر من أربعين سنة بشكل يجعلها تحيط بإسرائيل من كل جانب تمهيدا لتكبيلها بها”، يخبرني دبلوماسي عربي التقيته قبل أيام، ويضيف، “لكن إسرائيل كانت تحمل مشرطا جعلها تمزق السجادة وتحرر نفسها منها”. ما لم يقله الدبلوماسي واصبح واضحا من كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو هو أن محطتي لبنان وسورية مجرد بداية، وأن الخطاب المستمر الموجه للداخل الإيراني يؤكد أن المحطة الأخيرة للقطار الذي انطلق ما بعد السابع من أكتوبر هدفه الوصول إلى طهران.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: