الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة12 يونيو 2024 13:23
للمشاركة:

هل تنتهي الأمور بين حزب الله وإسرائيل بالحرب؟

"ليس هناك سبب للاعتقاد بأنّ مواجهة إسرائيل ولبنان ستتصاعد إلى حرب شاملة". هكذا يلخّص الكاتب علي هاشم التوقعات بشأن التوتر بين حزب الله وإسرائيل في مقاله له نشرتها مجلّة "فورين بوليسي" الأميركية، كاشفًا نقلا عن مصدر في "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري أنّ الحزب بات يمتلك مليون صاروخ من أنواع مختلفة.

في ما يلي ترجمة المقال:

على الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، لم يتبقَّ سوى عدد قليل من القرى سليمة، وأحياء واسعة في البلدات التي لا تزال قائمة، مثل مروحين، مدمّرة بالكامل. عندما يحلّ الليل ويغمر الظلام المنطقة، فإنّ الضوء البعيد الوحيد المرئي يأتي من مسافة تقارب 30 كيلومترًا—حدائق البهائيين المتوهّجة في حيفا، أكبر مدينة في شمال إسرائيل، التي تضم نحو 280,000 نسمة.

ما بين مروحين وحيفا توجد مجتمعات إسرائيلية ومواقع عسكرية تتعرّض يوميًا لنيران حزب الله. على مدى الأشهر الثمانية الماضية، هجر أكثر من 150,000 شخص على جانبَيْ الحدود مدنهم وقراهم بسبب الحرب المستمرّة التي أسفرت عن مقتل نحو 400 شخص على الجانب اللبناني، ونحو 30 على الجانب الإسرائيلي.

لمدة ثمانية أشهر، كانت منطقة الحدود نقطة ساخنة للعنف المتبادل بين حزب الله وإسرائيل—عنف تصاعد مؤخرًا وأثار دعوات في إسرائيل لحرب موسّعة. لكن، خلافًا للمظاهر، ليس هناك سبب كبير للاعتقاد بأنّ مواجهة إسرائيل مع لبنان ستتصاعد إلى حرب شاملة.

دخل حزب الله في النزاع مع إسرائيل بعد هجمات حماس في 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر. على الرغم من أن قادة حزب الله صرّحوا إنهم لم يكونوا على علم مسبق بهذه الهجمات، إلا أنّ ذلك لا يعني عدم الموافقة. عبّر قائد حزب الله حسن نصر الله باستمرار عن دعمه القوي لأعمال كتائب عز الدين القسام وقائد “حماس” في غزة، يحيى السنوار، الذي وصفه بـ “القائد العظيم الشجاع”.

لكن النزاع الأوسع بين حزب الله وإسرائيل لم يبدأ بعد 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر. لقد اتّخذ أشكالًا مختلفة منذ أن شكلت مجموعات من المقاتلين الشيعة في جنوب لبنان المقاومة الإسلامية في لبنان عام 1982، بعد الغزو الإسرائيلي في ذلك الصيف. وكانت المواجهة الأهم في عام 2006، عندما اختطف حزب الله جنديين إسرائيليين من المنطقة الحدودية بهدف تبادلهما مع سجناءه في السجون الإسرائيلية. ردّت إسرائيل بحرب مدمرة في تموز/ يوليو وآب/ أغسطس من ذلك العام، تهدف إلى القضاء على حزب الله—هدف مشابه لهدف إسرائيل في حربها الحالية ضد “حماس”.

واحدة من الطرق التي يختلف بها النزاع الحالي عن النسخ السابقة هي أنّ حزب الله راكم قدرات كافية خلال العقد الماضي ليشكل الآن تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل. صرّح مسؤول في فيلق القدس الإيراني الذي يشرف على حزب الله وفصائل أخرى مرتبطة بإيران في الشرق الأوسط لـ “فورين بوليسي” أنّ حزب الله يمتلك الآن أكثر من مليون صاروخ من مختلف الأنواع، بما في ذلك صواريخ موجهة بدقة وصواريخ كاتيوشا معدّلة لزيادة الدقة، بالإضافة إلى صواريخ مضادّة للدبابات.

تتضمّن ترسانة حزب الله، كما كشفتها حرب الاستنزاف الطويلة، طائرات مسيّرة انتحارية، وغيرها من الطائرات من دون طيار المجهّزة بصواريخ روسية الصنع، بالإضافة إلى نوع من الصواريخ الإيرانية يسمى “ألماس” المزوّد بكاميرا، مستوحى من الصاروخ الإسرائيلي “سبايك”، الذي يتميّز بنظام “أطلق وانسى”. هذا العتاد يغيّر قواعد اللعبة لأنه يجعل المقاتلين أقلّ عرضة للهجمات الإسرائيلية على مواقع الإطلاق.

تمتلك إسرائيل ترسانة أكبر بكثير من الصواريخ الجوية التي تُطلق من مختلف الطائرات الحربية والطائرات من دون طيار المسلحة. تسبب تبادل النيران بتشريد أكثر من 150,000 شخص على جانبَيْ الحدود، مما حول بلدات الحدود اللبنانية إلى مناطق شبيهة بغزة الصغيرة. يتزايد تدمير المناطق تدريجيًا ليشمل المدن الشمالية الإسرائيلية، التي يطالب سكانها بشكل متزايد بأن تتخذ الدولة الإسرائيلية خطوات عملية لإعادتهم إلى منازلهم. زرت الشهر الماضي القرى والبلدات المدمّرة في جنوب لبنان، بما في ذلك الناقورة، حيث يقع مقر قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، والتي دُمِّرَ مركزها بواسطة غارات جوية إسرائيلية؛ مروحين، التي دُمِّرت بالكامل تقريبًا؛ وعيتا الشعب، التي يمكن وصفها بأنها نقطة الصفر في جنوب لبنان. هذه القرى والبلدات وغيرها تستضيف الآن عددًا قليلاً فقط من السكان الذين يفضّلون الموت في منازلهم على الفرار إلى المدارس والملاجئ الأخرى في المدن الأكثر أمانًا.

من الجدير بالذكر إنّ الطرفين يقيّدان حربهما بشكل رئيسي بالأهداف العسكرية، كما يتّضح من الإعلانات اليومية الدقيقة للأنشطة العسكرية. كانت الهجمات الإسرائيلية في الغالب في المناطق الحدودية بعمق 15 كلم. هناك استثناءات، كاستهدفت القوات الجوية الإسرائيلية مناطق أعمق في البقاع اللبنانية، وفي الضواحي الجنوبية لبيروت.

في المقابل، وسّع حزب الله هجماته أفقيًا، وليس عموديًا، ليشمل مرتفعات الجولان، الأراضي السورية التي احتلّتها إسرائيل وضمّتها لاحقًا بشكل فعلي. سُجِّلت هجمات قليلة في الأشهر الأخيرة تستهدف قواعد عسكرية في صفد، بالقرب من نهاريا، وحيفا، نُفِّذت في الغالب بواسطة طائرات مسيّرة انتحارية.

بعد اغتيالات نائب زعيم “حماس” صالح العاروري وقائد حزب الله البارز وسام الطويل، استهدف حزب الله قاعدة ميرون الاستراتيجية، التي توصف بأنها قاعدة مراقبة الحركة الجوية.

حتى الآن، يحاول حزب الله وإسرائيل تجنّب وقوع ضحايا مدنيين قدر الإمكان، بتبادل الرسائل عبر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان كلّما تأثّر المدنيون، وشرْح الأسباب. يشاركان في نوع مختلف من الحرب، يركزان فيه أكثر على الأهداف الاستراتيجية بدلًا من السيطرة الإقليمية. بالنسبة لإسرائيل، الهدف هو الضغط على حزب الله لكشف مواقعه الاستراتيجية أو التراجع إلى مواقع أقل تحصينًا. كانت الحرب في عام 2006 لها نتائج سلبية على إسرائيل، لأنها سمحت لحزب الله ليس فقط بزيادة ترسانته في أعقابها، بل أيضًا باستخلاص الدروس من القتال لتحديث تكتيكاته لمواكبة قدرات الجيش الإسرائيلي.

بعد نحو ثمانية أشهر من المعارك المنتظمة، أصبح من الواضح الآن أنّ حزب الله وإسرائيل يدركان أنّ أي حرب شاملة بينهما ستكون مدمرة. يعرف حزب الله أنّ لبنان سيتمُّ تدميره، مع وقوع آلاف الضحايا. لكن إسرائيل تدرك أيضًا أنّ ما واجهته في غزة خلال الأشهر الماضية، من دون تحقيق أهدافها الكاملة، سيكون لا شيء مقارنة بحرب مع حزب الله.

لدى إسرائيل قائمة كبيرة من الأهداف في لبنان، وقد استهدفت العديد من نقاط الإطلاق والتخزين لحزب الله في الأشهر الأخيرة. في الوقت نفسه، استهدف حزب الله معدّات الاستطلاع والمراقبة والاتصالات الإسرائيلية في النقاط الحدودية، وضرب أيضًا منشآت عسكرية لدفع الجنود الإسرائيليين إلى مواقع جديدة أقل تحصينًا في المناطق المفتوحة أو في البلدات الحدودية. يبدو أنّ التنظيم يركز أكثر على دراسة الدفاعات الجوية الإسرائيلية، بما في ذلك نظام القبة الحديدية، مع إصدار حزب الله لقطات يقول إنها تُظهر استهدافًا مباشرًا للنظام. ربما يكون حزب الله قد تعلّم أيضًا من هجوم إيران على إسرائيل في نيسان/ أبريل كيفية تكثيف إطلاق الصواريخ. بالنظر إلى القرب بين إسرائيل ولبنان مقارنة بإيران وإسرائيل، فإنّ قدرة حزب الله على تدمير المدن الإسرائيلية بشكل كبير هي قدرة عالية.

حتى الآن، يفضّل الجانبان، خاصة في ظل الحرب في غزة، إبقاء الصراع ضمن الإطار الحالي. حزب الله، رغم كونه تنظيمًا إسلاميًا يحشد مقاتليه عبر خطاب الشهادة، لم يُظهر أبدًا ميولاً انتحارية. من المحتمل أن يتبع نهج التصعيد العقلاني الذي تبنّته إيران بعد اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، مع الحفاظ على الأعمال دون مستوى الحرب الشاملة.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: