الجادّة: طريقٌ في اتجاهين
قراءة طويلة19 مايو 2024 04:11
للمشاركة:

إذا قررت إيران امتلاك سلاح نووي.. ماذا عن اليوم التالي؟

في ظل تواصل الحديث الإيراني عن مداولات حثيثة في مراكز صنع القرار في طهران لتقييم وجود ضرورة لتغيير العقيدة النووية من عدمها، نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالًا أكد أنّ إيران ستمتلك سلاحًا نوويًا يوما ما،  لكنه تساءل عما ستفعله إيران بهذا السلاح.

وفي مقال كتبه أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ، ستيفن إم والت، ذكًر الكاتب بأنّ الخلاف بين إيران والولايات المتحدة استمرّ لعقود، بشأن الملف النووي وملفّات أخرى، لكن في نهاية المطاف، وقّعت إدارة أوباما على اتفاق نووي مع طهران، في وقت كانت تتعاون فيه أيضًا مع إسرائيل لشن هجوم إلكتروني كبير على البنية التحتية الإيرانية لتخصيب اليورانيوم. كما لفت إم والت إلى أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب أمر بشنّ غارة جوية أسفرت عن مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليمان، وحاول إضعاف طهران من خلال برنامج الضغوط القصوى.

وردّت إيران على التحدّي الأميركي بدعم دمشق، والاقتراب من روسيا والصين، وتسليح وتدريب حلفائها في لبنان والعراق واليمن وغزة.

وكان الكاتب رافائيل كوهين قد أورد في المجلّة نفسها أنه يُرجّح استمرار الحرب السرية بين إسرائيل وإيران لفترة طويلة، وبالتالي يمكن أن تتدحرج الأمور بين الطرفين بسهولة.

ووفقًا لآخر مقال منشور للكاتب الراحل كينيث والتز، كما جاء في مقال والت، فإنّ الطريقة الأكثر مباشرة لتحقيق الاستقرار في المنطقة هي أن تحصل إيران على رادع نووي خاص بها.

هنا يعتبر والتز أنّ امتلاك ترسانة نووية من شأنه أن يقلّل من مخاوف إيران الأمنية، ويمنحها سببًا أقلّ لإثارة المشاكل للآخرين، ويجبر منافسيها الإقليميين على الامتناع عن استخدام القوة ضدها بطرق قد تؤدي عن غير قصد إلى تبادل نووي. وعلى حد تعبير ونستون تشرشل، فإنّ الاستقرار سيصبح “طفل الرعب القوي”.

وكان والتز قد عرض المنطق المركزي لهذه الحجة في دراسة مثيرة للجدل عام 1981، بالاعتماد على نظرية الردع النووي الأساسية، حيث انطلق بالافتراض أنّ الدول التي تعيش في حالة من الفوضى تهتمُّ في المقام الأول بالأمن. وفي عالم خالٍ من الأسلحة النووية، كثيرًا ما تؤدي مثل هذه المخاوف إلى سوء التقدير، وسلوكيّات محفوفة بالمخاطر، وحرب.

لقد غيّرت الأسلحة النووية هذا الوضع من خلال تهديدها بمستوى من القوة التدميرية كان على القادة الأكثر طموحًا أو عدوانية احترامها. 

لقد رأى أنّ الردع النووي هو الضمانة الأمنية النهائية: لن يحاول أي زعيم عاقل غزو أو الإطاحة بمنافس مسلّحٍ نوويًا، لأنّ القيام بذلك سيؤدي حتمًا إلى المخاطرة بهجوم نووي. ولن تساوي أي مكاسب سياسية يمكن تصوّرها خسارة عدد من مدن الدولة المعنيّة، وحتى الاحتمال الضئيل للرد النووي سيكون كافيًا لردع أي هجوم مباشر على استقلال دولة أخرى.

ويرى إم والت أنّ سوء التقدير بهذه الحالة سيكون أقل احتمالًا، لأنه من السهل على أي شخص أن يفهم تأثير أي اشتباك النووي، وبالتالي، فإنّ الدول التي تتمتّع بقدرة آمنة على توجيه ضربة ثانية لن تشعر بالقلق بشأن بقائها، وسوف يتم تقييد المنافسة بينها بسبب الخوف المتبادل.

ولفت الكاتب إلى أنّ والتز لم يقترح أن يُنظر للردع النووي على أنه يقضي على مصادر المنافسة الأمنية كافة، كما أنه لم يزعم إنّ كل دولة ستكون في وضع أفضل إذا امتلكت القنبلة النووية، أو أنّ الانتشار السريع للأسلحة النووية سيكون أمرًا جيدًا للنظام الدولي.

وبدلًا من ذلك، أشار إلى أنّ الانتشار البطيء للأسلحة النووية قد يكون مفيدًا في بعض السياقات، بل وربما يكون أفضل من بذل جهود شاملة لمنعه.

وأعرب والت عن اعتقاده بأنّ الخوف المتبادل من التصعيد الذي ساعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على تجنّب الصدام المباشر بالأسلحة خلال الحرب الباردة، والذي أدى إلى تقليص حجم ونطاق الحروب بين الهند وباكستان، سيكون له آثار مماثلة في أماكن أخرى، بما في ذلك الشرق الأوسط الممزّق بالحروب.

ويؤكد كاتب المقال أنّ موقف والتز المناقض اجتذب الكثير من الانتقادات، وأدت دراسته الأصلية في النهاية إلى تبادل موسع ومفيد مع أستاذ جامعة ستانفورد سكوت ساجان.

وحذّر المتشككون، كما جاء في المقال، من أنّ القوى النووية الجديدة قد يقودها زعماء غير عقلانيين أو مهووسين لا يمكن ردعهم، رغم أنه ليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كانوا أقل عقلانية أو حذرًا من زعماء الدول النووية الحالية.

وأعرب آخرون عن قلقهم من أنّ القوى النووية الجديدة قد تفتقر إلى التدابير الأمنية المعقّدة، وإجراءات القيادة والسيطرة، مما يجعل ترساناتها أكثر عرضة للسرقة أو للاستخدام غير المصرّح به.

وادعى الصقور إنّ القوى النووية الجديدة قد تهدّد باستخدامها لابتزاز الآخرين أو كدرع للعدوان، على الرغم من أن أيًّا من القوى النووية القائمة لم تفعل ذلك بنجاح على الإطلاق. 

وتوقّع منتقدون آخرون أنّ امتلاك إيران للأسلحة النووية من شأنه أن يدفع بعض جيرانها لكي تحذو حذوها، رغم أنّ الأدلّة على عمليّات “تسلسل الانتشار النووي” السابقة كانت في أفضل تقدير مختلطة.

وبطبيعة الحال، لم تفكر الحكومة الأميركية قط بتبنّي موقف والتز، وبالتأكيد ليس في ما يتعلّق بدول مثل إيران. بل على العكس من ذلك، حاولت ثَنْيَ الدول الأخرى عن تطوير ترساناتها النووية، وقد بذلت جهدًا إضافيًا لمنع إيران من القيام بذلك.

لقد قال الرؤساء الديمقراطيون والجمهوريون مرارًا إنّ كل الخيارات مطروحة على الطاولة إذا حاولت إيران تصنيع قنبلة فعلية، كما فرضوا عقوبات اقتصادية صارمة على نحو متزايد في محاولة فاشلة في معظمها لإقناع طهران بالتخلّي عن برنامج التخصيب.

وفي نهاية المطاف، تفاوضت إدارة أوباما على اتفاق (خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015)، مما أدى إلى تراجع قدرة إيران على التخصيب بشكل كبير، وخفّض مخزونها من المواد النووية، ووسّع نطاق مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية المتبقية.

وفي خطأ استراتيجي مذهل، على حد تعبير إم والت، تخلّى ترامب عن الصفقة في عام 2018، والنتيجة كانت أنّ بدأت إيران بتخصيب اليورانيوم إلى مستويات أعلى، وهي الآن أقرب إلى امتلاك قنبلة نووية من أي وقت مضى.

وبصرف النظر عن خطة العمل الشاملة المشتركة، بذلت الولايات المتحدة (وإسرائيل) كل ما في وسعها لإقناع طهران بأنها لا يمكن أن تكون آمنة من دون رادعها الخاص.

وقام الكونغرس بتمويل جهود “تعزيز الديمقراطية” الموجهة إلى إيران، بما في ذلك تمويل الجماعات الإيرانية في المنفى.

وقد رفضت واشنطن العديد من المحاولات الإيرانية لتحسين العلاقات، واشتبكت مع القوات البحرية الإيرانية في الخليج، واغتالت عمدًا مسؤولًا إيرانيًا كبيرًا، وقامت بمجموعة من الأنشطة السرية داخل إيران.

وذكّر الكاتب بأنّ واشنطن دعمت علنًا تشكيل تحالف مناهض لإيران في المنطقة، وبأنه ليس لديها حتى الآن علاقات دبلوماسية مع طهران.

وأردف الكاتب أنّ أيًا كان رأي المرء في النظام الإيراني، فإنّ هذه التدابير تزيد بلا أدنى شك من اهتمامها بالحصول على نفس الحماية الرادعة التي تتمتّع بها الآن تسع دول أخرى، بما في ذلك إسرائيل، باكستان وكوريا الشمالية.

وتساءل: لماذا لم تتجاوز إيران العتبة النووية بالفعل؟ لا أحد يعرف، وفق الكاتب، فأحد الاحتمالات برأيه هو أنّ القائد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي يعتقد حقًا بأنّ الأسلحة النووية تتعارض مع الإسلام، وبأنّ تجاوز هذا الخط سيكون خطأً من الناحية الأخلاقية. 

وأوضح: “لا أميل إلى هذا التفسير بنفسي، لكن لا يمكنني استبعاده تمامًا، ومن الممكن أيضًا أنّ قادة إيران لا يشعرون بالقلق إزاء هجوم أو غزو أميركي مباشر (مهما كان ما قد يقولونه علنًا)، وخاصة في ضوء المحاولات الكارثية التي بذلتها الولايات المتحدة لتغيير النظام في العراق وأفغانستان وليبيا وعدد قليل من الأماكن الأخرى”.

وأضاف: “ربما يدركون أنه لا يوجد رئيس أميركي يرغب بإعادة إحياء تلك التجارب، وخاصة ضد دولة تبلغ مساحتها ما يقرب من أربعة أضعاف مساحة العراق وضعف عدد سكان العراق”.

وقد يكون رادع طهران أيضا التهديد بحرب وقائية، طالما أنه من المرجح أن يتم اكتشاف محاولة لبناء سلاح فعال ويمكن أن يؤدي بسهولة إلى قيام الولايات المتحدة أو إسرائيل (أو كليهما) بمهاجمة البنية التحتية النووية التي ضحت إيران بالكثير من أجل إنشائها، وإذا لم تكن هناك حاجة ملحة ولم تكن الظروف مواتية، فمن المنطقي أكثر أن تبقى إيران على هذا الجانب من عتبة الانتشار النووي.

وتابع: “إذا كانت الولايات المتحدة وآخرون يريدون إبقاء الأمور على هذا النحو، فعليهم أن يجمعوا بين تحذيراتهم بشأن العواقب المحتملة لمحاولة الاختراق مع ضمانات بأنّ إيران لن تتعرّض للهجوم إذا استمرّت بتحنّب القدرة على إنتاج الأسلحة النووية”.

وأكمل الكاتب: “إنّ وقف الحرب السرية بين إسرائيل وإيران من شأنه أن يساعد أيضًا، على الرغم من أنه من الصعب تخيل أنّ حكومة نتنياهو تختار هذا المسار أو تواجه ضغوطًا كبيرة للقيام بذلك من إدارة بايدن. ما يقلقني هو أنه إذا استمر المستوى الحالي من العداء، فمن الصعب أن نصدق أنّ إيران لن تقرر في نهاية المطاف أنها بحاجة إلى رادع نووي خاص بها، ولا أحد يستطيع أن يخمّن ما قد يحدث بعد ذلك”.

جاده ايران تلغرام
للمشاركة: